نحن والتسامح

نحن والتسامح
ذوقان عبيدات

في كتابه: الدولة العربية من السلطوية إلى الحداثة، قدّم الدكتور بدران مفهومًا عميقًا للتسامح، وعرّفه بأنه رفض الآخر والتشدد إزاء المختلف، واللجوء إلى خطاب الكراهية، والعنصرية، واستعلاء مجموعة على أخرى! كما حدد أنواع التسامح بما يأتي:

– تسامح فكري بقبول مختلف الأفكار.

– تسامح ثقافي بقبول تنوع الثقافات واحترامها.

– تسامح ديني بقبول تعدد الديانات، وكما قال غاندي المطلوب ليس ديانة واحدة، بل ديانات تحترم بعضها.

– وتسامح جنسوي بقبول استقلال والمساوة بين الجنسين.

– وتسامح حزبي أو سياسي بين المنتمين إلى أحزاب مختلفة.

– اما المفهوم الملفت فهو التسامح الزماني، ويقصد به قبول التغيرات التي يفرضها الزمان، ومنها طي صفحات الماضي، والتسامح الزماني يعني: التسامح مع التغيّر، وعدم التمسك بالماضي، والعيش في الحاضر، والبحث عن حلول غير ماضوية، والتخلص من سيطرة الماضي، ويرى أن غياب التسامح مع الماضي خلق حركات تملأ الحاضر بالماضي، وتستحضر أحقاد الماضي وأوهامه، وبعض حقائق ثقافية منه تلهب خيال الأجيال تضلل تفكيرهم، ولا ينسى بدران أن التصالح مع الماضي لا يعني تجاوز الحقوق، فلا يتحقق التسامح بإسقاط الحقوق بل بإعادتها، وهذا ما يركز عليه في القضية الفلسطينية مثلًا، فلا يمكن التسامح مع الماضي منذ عام 1948 وما قبله إلّا بالمقاومة وإعادة الحق، ويبرز نكوص المتخلفين الذين يعيشون في أحقاد الماضي بحدث مهم، حين قامت محكمة أهلية بالكوفة عام 2018 بمحاكمة الخليفة عبد الملك بن مروان بتهمة أنه كان ضد شيعة علي، وأصدرت حكمًا بإعدامه شنقًا!

هذا ليس مجرد عيش في الماضي، بل استذكار مآسي التاريخ، واستدعائه وإعادة إحيائه ليعمل حقدًا وثأرًا وانتقامًا!

ويضع بدران معايير للتسامح، مثل: الحريات، وقبول الأقليات والجنسوية، والمعتقدات المغايرة، والأفكار الجديدة، ويحضر أمثلة على تأثير التسامح في المجتمعات، فالمجتمعات الصناعية والديمقراطية والتكنولوجية والأخلاقية هي الأكثر تسامحًا والأكثر سعادة، والأعلى دخلًا للفرد، والفروق هائلة بين لكسمبورغ أو كندا من جهة، ومصر والسعودية من جهة أخرى، فلكسمبورغ الأعلى دخلًا للفرد رقم 1، ومصر رقم 123، والفرق في الدخل هائل.

ولا يفوت الكتاب أن يحدد التسامح ليس فعلًا قانونيّا فحسب، وليس وعظًا على الإطلاق، إنه حركة مجتمع وإرادة مجتمع ونهوض قيم وأخلاق، أسرفت في استخدام التسامح لأنه مصطلح الكاتب والكتاب، وهناك من يرى أن مفهوم مصطلح “التسامح” يعني الاستعلاء والعفو من قوي إلى ضعيف، ويطالبون وأنا منهم بالبحث عن مصطلحات جديدة كالسماحة والانفتاح.

كتاب د. إبراهيم بدران مليء بالكنوز.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق