نحن أُمّةٌ تقول ما لا تفعل / د. رشيد عبّاس

نحن أُمّةٌ تقول ما لا تفعل
بعض الأمم كانت نجوم متألقة في سماء الليل الحالك, منها الكبيرة ومنها الصغيرة, ولكل واحدة حظها من اللألاء والإشراق وقسطها من الإضاءة, كيف لا وحياة الأمم تنحصر في ثقافتها, ولا يُنكرُ ذلك إلا قلب رانه الجهل, وعان عليه الفساد, ونفوس ختم عليها الضلال, وضرب على مشاعرها المسخ, وطال عليها الأمد في الرق, فصدئت منها البصائر, فتغير نظرها في الحياة ووسائلها, فرضيت بالدون, ولاذت بالسكون, وحياة الأمم التي مرت شاهد على ذلك,…تبني الأمم ما تبني من القصور, وتشيد ما تشيد من المصانع, وتنسق ما تنسق من الحدائق, تحفُ ذلك كله بالسور المنيع, فإذا ذلك كله مدينة ضخمة جميلة, ولكن ان بقيت الأمة تقول ما لا تفعل, تبقى كعقد بلا واسطة, أو كجسم بلا قلب.
قال الله تعالى: (يا ايها الذين امنوا لم تقولون ما لا تفعلون, كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون), اي لم تقولون القول الذي لا تصدّقونه بالعمل، فأعمالكم مخالفة لأقوالكم, فعظم مقتًا عند ربكم قولكم ما لا تفعلون, لقد اُنزلت هذه الآيات الكريمة توبيخًا من الله لقوم من المؤمنين، تمنوا معرفة أفضل الأعمال، فعرّفهم الله إياه، فلما عرفوا قصروا بها، فعوتبوا بذلك اشد عتاب, واستحقوا بذلك اشد العذاب في الدنيا والاخرة من الله سبحانه وتعالى… (والله اعلم).
وهنا يحضرني ما اكده الدكتور البريطاني «أرنولد تُوينبي» استاذ الحضارات في جامعة اكسفورد, حيث اكد ان العديد من الدراسات الحضارية اظهرت ان الأمة التي تقول ما لا تفعل, امة مصيرها الاندثار والزوال والانقراض, وان الأمة التي تفعل ما تقول امة باقية مستمرة ممتدة, واردف قائلا ان الأمم في هذا المجال تنقسمُ الى نوعين الأمم هما: امة تفعل ما تقول, وامة تقول ما لا تفعل, وشتان بين الأمتين, مُنوّهًا الى ان البشرية منذُ البداية وحتى القرن التاسع عشر قد مرت بـ(22) امة, تباينت في الاقوال والافعال فيما بينها.
«أبو الأسود الدؤلي» شاعر معروف لدى الجميع يقول في واحد من ابياته الشهيرة, والذي تربع متوسطا على إحدى قصائده, واعطى القصيدة بعدا اخر:(لا تنـه عـن خلـق وتأتـي مثلـه, عارٌ عليــك إذا فعلــت عظيــم), معنى البيت واضح ولا يحتاج لإيضاح أصلاً، فكم هناك من افراد وأشخاص، وفئات، وجماعات ترفع شعارات مثالية، تدعو بدعوات مضمونها رفيع الأخلاق، توجه دعوات مناصحة، وتنظر في المثل والمبادئ، في حين أن كل أفعالها نقيض ما تقوله! والمشكلة أن الكلام مباح، والحديث سواء أكان مقتضباً أو لساعات ليس بثمن بل بالمجان، وعقدة هذا الزمن تتمثل باشخاص وأفراد تقول ما لا تفعل، وتنصح بما لا تقيد نفسها به.
لقد اصبح (قول) الأمة والغير متبوع بــ(الفعل) مكشوف وواضح عند الله وعند عباده, ولا يحتاج الى دليل او برهان على ذلك, إذ بتنا امة تبيع الشعارات الدينية والسياسية والاجتماعية، دون تطبيق لها على ارض الواقع, والامثلة هنا عديدة وكثيرة, لا تعد ولا تحصى, ومن ارادها فالشواهد اليومية ماثلة امام الجميع.
وقد تساءل احد الدارسين لتاريخ وسلوك حركات الأمم في احد المناظرات الفكرية, تساءل, متى تستطيع الأمة ان تفعل ما تقول؟ فكان رد احد اعضاء الفريق الاخر والمعني بدراسة توافق السلوك البشري, حيث قال: تستطيع الأمة ان تفعل ما تقول عندما تكون الأمة اكثر ثقافة, وعندما تتخلص الأمة من (العقول الصغيرة) عند بعض افرادها, نعم العمل يتطلب ادراك وثقافة وعقول كبيرة, والا ستبقى المسافة والفجوة واسعة وكبيرة بين القول والفعل, وفي لحظة من اللحظات يصعب ردم هذه الفجوة.
الأمم تتوالى وتتعاقب عبر التاريخ, والأمم المتعاقبة تلعن وتسّبُ بعضها البعض بما انجزته تلك الأمة وفعلته وليس بما قالته ولم تفعله فـــ(كلما دخلت أمة لعنت أختها), ومن خلال تحليل صعود وسقوط (22) امة في تاريخ البشرية منذُ بدء الخلق, تبين ان مسألة صعود وسقوط الأمم مسألة بسيطة للغاية, حيث ان ذلك يقوم على نظرية (التحدي والاستجابة), فالأمم تقوم وتصعد استجابة لتحديات محددة سواء كانت هذه التحديات مادية او اجتماعية, وان الأمة عندما تصل الى مرحلة تعجز فيها عن الاستجابة للتحديات التي تجابهها، فإنها تدخل في مرحلة الانهيار, لكن ما الذي يجعل الأمة تعجز عن الاستجابة للتحديات؟
في رأيي المتواضع قد يكون السبب الاساسي لهذا العجز هو عندما تفقد الأمة قوتها الاخلاقية والقيمية والروحية، أي عندما تشهد انهيارا قيميا واخلاقيا ودينيا, وان هذا الانهيار القيمي والاخلاقي والديني يقود الى الجمود، والى العجز عن الابتكار والتجديد والابداع، ومن ثم العجز عن مواجهة التحديات, ويحدث هذا عندما تشهد الامة ما يسمى بــ(الشرخ الروحي) في حياتها والذي بدوره يقود الى موت القدرة الروحية والاخلاقية على الابداع والتجديد ومجابهة التحديات, ومن المؤكد ان الأمم تموت اساسا بسبب عوامل داخلية, واهم هذه العوامل الداخلية انهيار القيم والقوة الاخلاقية.
وبالنظر الى ما اشار اليه الدكتور «جاك بيرك» استاذ علم الاجتماع في جامعة السوربون حيث اشار الى ان تطور الأمة يقع في خمس مراحل رئيسة هي: (مرحلة الميلاد والنشأة, مرحلة الازدهار والتوسع السريع, مرحلة الجمود والعجز عن التطور والابداع والتجديد, مرحلة الانحلال والتدهور الاخلاقي, مرحلة السقوط والانهيار), وقد تختلف كل امة عن اخرى في المدد الزمنية لهذه المراحل الخمس, وبالذات في مرحلة السقوط والانهيار.
بقي ان نقول: الأمة لا تموت قتلا، وانما تموت انتحارا, تموت انتحارا من ديوث عاثَ فسادا في الأمة, وتارك صلاة كل جمعة للأمة, ومثير للفتن في خصر الأمة, وسرق مقدرات ومخصصات الأمة, ويظنُ انه مُبشّر بالجنة من دون افراد الأمة, ويعتقدُ انه مرشد منتخب للأمة, ويثير البدع في الأمة, ومفتري على الأمة, وأكل خيرات الأمة,…وفي حقيقة الامر هو سببا في سقوط وتدهور اخلاق وقيم الأمة.
امثال هؤلاء عالة على الأمة, وبهم تصبح الأمة, أُمّةٌ تقول ما (لا) تفعل

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق