“نجيب محظوظ”

“نجيب محظوظ”
عبد المجيد عصر المجالي

راغباً عن سنة إخوتي، جئت للحياة بعملية ولادة قيصرية، واضعا حدا لعلاقة طويلة بين أمي والداية «أم صبحي»، وحتى موتها، ظلت الأخيرة تخيفني بنظرات الرعب والغضب، لا لسبب، سوى أنني أفلتُ من يدها وضيعت عليها حفنة من الدنانير.

يقول الخبراء بسيرة أمي إنها لم تخف في حياتها كما كانت قبل العملية، حتى أنها وزعت «ذهباتها» على الجارات، ووعدت الدكتور عبدالمجيد ماضي، الطبيب الذي أشرف على العملية بأنها ستسميني باسمه إن كُتبت لها السلامة، وهذا ما كان.
منذ أن تكونت في بطنها وأنا أتخذ وضعية الجلوس، كمن يجلس على مكتب وينتظر القلم ليكتب وصفة لمريض، فاستبشرت أمي بأنني سأسير على خطى الطبيب الذي حملت اسمه، لكنني خيبت ظنها وصرت كاتبا.

أنا الكاتب الذي يزيد جمهوره يوما بعد يوم، ومع ذلك ينقص يوما بعد يوم، فما قيمة أن يكون جمهورك العالم كله وليس فيه أمك؟ فلم تعترف بي يوما كاتبا، ولم تصدق أن المال الذي يأتيني كل شهر وأسند به البيت مرده الكتابة، وربما معها عذرها، ففي قاموس النساء من جيلها يكون العمل بالاستيقاظ مبكرا، والخروج من البيت، والعودة في ساعة محددة، وأنا لا أفعل شيئا من هذا، أظل -والكلام لأمي- «ماسك (التاب توب) وأطقش على الكبسات».

استخدمت معي كل الأساليب وعبارات السخرية لعلها تثنيني عن الكتابة، فأبحث عن وظيفة «مثل العالم والناس»، فهي تعد الكتابة مضيعة وقت، مرة قالت لي: «الي بعمرك صار عيالهم أطول منهم وقربوا يغسلوا كلى، خليك داير ورا المقالات يا هامل» فشعرت للحظة أن المقالات (بنات ليل)! وحين علمتُ بتطابق سبب التسمية بيني وبين الروائي المصري نجيب محفوظ، الذي سماه والده بهذا الاسم المركب تقديرا منه للطبيب نجيب محفوظ الذي أشرف على عملية ولادته المتعسرة، وأخبرتها به، قالت ساخرة: «يوم تروح تخطب بنت سولف لأبوها هالحكي.. الحافظ الله عليك وعلى نجيب محظوظ تاعك»، والويل لي ثم لأبي ثم لعشيرتي إذا علمت أني كتبت مقالة انتقدت فيها الحكومة ونشرتها على صفحتي الفيسبوكية، عندها تعض أناملها من الغيظ وتتبع ذلك بجملتها الأثيرة: «زرعت في الخوف وما ريحتني من لما كنت حامل فيك، إنداري عويه أم صبحي زعلانة إنك مزطت منها، ومن راس أبوي إنها خدمت البشرية كلها يوم ما حطت إيدها بخلفتك»، ثم تخيرني بين مغادرتها البيت أو أن أحذف ما اقترفته يدي، فاختارها طبعا وأقبل أن يرميني الناس بالجُبن.

وهكذا: أمي و(بهادلها) والكتابة وأنا (عايشين لبعضينا)، تريدني أن أضع القلم، وأزيد إصرارا على التمسك به، فمن يدري، لعلي يوما أسير على خطى نجيب محفوظ وأكتب رواية عن «أولاد حارتنا» فيشتريها أولئك الأوغاد وأمهاتهم، وأستعيد شيئا من ذهب أمي الذي أخذنه منها.

يوما ما سأثبت لها أن الكتابة تعويض كل خسارة، والخطوة الأولى نحو كل انتصار، وأن أم صبحي كانت خير من استشرف المستقبل بنظراتها الغاضبة، ذلك أنها علمت أي مولودٍ أضاعت.

الوسوم
اظهر المزيد

‫2 تعليقات

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق