نادر أبو شيخة من فيض الذاكرة إلى ألقِ اللغة والإدارة

بسم الله الرحمن الرحيم
نادر أبو شيخة من فيض الذاكرة إلى ألقِ اللغة والإدارة
أ.د. خليل الرفوع
ذكرياتُ أستاذ جامعي متخصص في علم الإدارة هو الأستاذ الدكتور نادر أبو شيخة ينثرُ طفولةَ الصِبا وسيرورةَ الحياة صفحاتٍ تسرُّ قارئها بما يدهشُ من بيان لغوي راقٍ في كتابه المعنونِ بـ : فيض الذاكرة وحديث النفس ، فمن ميثلون القرية التي لا زالت تغفو على صدر جنين المدينة ، وهما الساكنتانِ في جفن فلسطين التي اتسعت عيناها فأغمضتهما على المتجذرين فيها أمًّا عاشقةً ومعشوقة في آن معًا ، من دار ميثلون العتيقة بِحَجَرِهَا وطينها وشِيدها ، وسقفها المرفوع بجذوع الشجر، تبدأ الرحلة في أكناف جنين إلى عمان اللتين أغوتا الكاتب بفتنة السِّحر والجمال والطهارة والبهاء ففيهما تماهت الأزمنة بالغدو والبكور والشروق ولا زالَ أصيلا لمَّا يصبْه الغروبُ بالغسقِ والليلِ وما وَسَق ؛ فعلى ضفتي نهر الشريعة المقدس ما يستحق زهوَ الوَحْدة لشعبٍ واحدٍ عظيم ؛ فالدمُ هو الدم والحُلُم هو الحلم ، ولغير الأقصى وأكنافه ما خفقَ الفؤادُ وما تنفس ، فهوى الروحِ إلى قِبابهِ شباب يتجدد.
الكتاب ذكرياتُ طفولةٍ وألقُ شبابٍ وحكمةُ خبير ونصيحةُ صادق ونبلُ وفيٍّ لأهله وربعه ووطنه وأمته ، من ميثلون تبدأ حياة المؤلف طفلا قد أُوْتِي من السكينة وضنك التعب ما أوتي ، قد صُنِعَ على عيون والديه في دار عُتِّقَتْ بصفاء النفوس ورائحةِ جَمْعَةِ الأم ببنيها على مصطبة مرفوعة بفُرُشٍ نسجتها أصابعُ مباركةٌ تخيطها نهارا وتسبح بها لله غَسَقًا وسَحَرًا ، وشُيِّدَتْ كذلك بشذى خبز الطابون المعجون بيدين فيهما رائحة الجعْدَة والشيح والزعتر والنعناع ، أمٌّ قد أنهكها الإنجابُ والتحطيب والسقي ونهارات الزيتون والدعاءُ لبنيها ، ونكهة ليالي السمر الدافئة حول مواقد الحطب والسماء في الخارج تسكب الطَّلَّ والخير ، حتى البهائم ترقد في إحدى الزوايا قريبا من دفء عائلي يعرف حقها في الحياة ونصيبها من المأكل والمشرب ومن الراحة أيضا ، هكذا يمضي الفتى في قلوب أهله وأساتذته هادئا متفوقا في دروسه وأعماله في الرعي والزرع ،اتكأ على حكايات أمه وصلابة أبيه وفروسية جَده محاربا عثمانيا قد أصابته كلوم الحرب ، وشفاعة عمَّيه الثائرين في وجوه عصابات الصهاينة حتى ارتقيا شهيدين في الأرض والسماء .
لقد اقتضت البيئة أن تتحولَ الطفولةُ في مهدها إلى رجولةٍ قبل أوانها ، وحينئذ فلا مندوحةَ من النجاح لتحقيق السعادة للعائلة الممتدة أبا وأما وإخوةً وجدودا وأعماما ، تلك كانت البذرة الأولى ألقيت في الأرض النديةِ غرسةً طرية ، وأضحت من بعدُ شجرةً جذورها هناك في التربة الطاهرة التي ارتوت من زيت الزيتون وماء الآبار وحليب البقر ولبن الغنم الحلال الممزوج كله بالبركة والحمد والشكر لله وحده ، وأما أغصانها ففي فضاءت الحياة توالدت لتظللَ نادر أبو شيخة مدرسا في أَبْها وما جاورها من جبال السَّراة ، وفي القاهرة طالبا باحثًا ، وجامعة الدول العربية موظفا وخبيرا ومستشارا إداريا ، وفي جامعات عمان أستاذا أكاديميا . في كل مرحلة عمرية كان نادر ابنَ بيئته ووطنه وأمته ودينه لذا كان النجاح فضيلةً عززتِ الطمأنية والسعادة في طريقه ، وحينما يقف المرءُ على شُرُفات العمر متذكرا متأمِّلا فإن أضواء كثيرة تتداخلُ مشرقةً مبهرةً ، لكن فقد الأعزة يبدو شجًى في الروح لا سبيل إلى نسيانه ، ولا سبيل للخلاص إلا بالتذكر والإمعان فيه ؛ وذلك للعيش لحظاتٍ في غُرُفاتِ الذاكرة المُبهِجَةِ ؛ لعل رحيقها يغدو بلسمًا شافيا لما نحن فيه من قحط وجمود ، فكلُّ ما في الماضي جميلٌ حتى فقرُه وجوعُه ونزقُه وضنَكُه.
في كل كلمة خطها أبو شيخة تعبر عن صدق في تجربة الإدارة وإخلاص في الاستشارة وحنُوٍّ في التعليم ، وكل عبارة تنداحُ بلغة شائقة تستفزُّ من آمن بالزمن الجميل ماضيا خاصًّا مقدسا ، أقول إن كل عبارة في الكتاب سُطِّرَتْ بلغة بيانية لتدلَّ على معنى موضوعي علمي ، ومما يسترعي القارئَ تلك اللُمَعُ الوعظية والأبيات الشعرية والحِكَمُ الدالة والقصص الواقعية التي كان الكاتبُ أحدَ شخوصها وأبطالها ومحركي أحداثِها ، ففي الكتاب بلاغةٌ في الخطاب وشخوصٌ تراها أمامك بصورها الحقيقية الصادقة أو المتناقضة أو المنافقة أو الجاهلة ، وثمة أمكنة تُرْصَدُ مُتَمَوْقِعَةً في شكلها لتنبئَ عن أهلها وتاريخها وتغيراتها ، تناقضاتُ الحياة كثيرةٌ وتبدلاتُها مؤلمةٌ نريد منها أن تبلغنا ما لا تستطيع هي أن تبلغَه من نفسها ، مسراتها تلهينا وزينتها تفرحنا لكنها زهرةُ الحياة ونَوَارُها ، فذبولها نهاية تراجيدية قد عاشها مَنْ قبلَنا ، فاجعةُ الموت قد تقسو على النبلاء لكن وفاءهم يبقى آيةً تسْري مع الأنفاس كلما هبت الذكرى لتبوحَ بأن الموتَ حقٌّ وكُلَّ مَنْ فوق الترابِ تراب .
وبعدُ ، فكتاب الأستاذ الدكتور نادر أبو شيخة من أكثر الكتب التي قرأتها اندغامًا في النفس وتعبيرا عنها بلغة فائقة البيان ، وفيه حكم وتجارب وقصص وآياتٌ تعبر عن كثير من الناس بمستوياتهم المتباينة ، وقد نثر فيه ذكرياته وشجونه وأحلامه وأوجاعه لتكون لمن يقرؤها قناديلَ يمكن أن يُهْتَدَى بها مِنْ خبير إداري ومستشار نفسي لا زال على ناصية الحُلُمِ يقف منتصبا عاشقا لوطنه وأمته ولكل ما في الإنسان من مشاعر نبيلة ، الكتاب يمورُ حركة يستحضر من الحياة ما غاب ويستنفر من الطفولة ما نُسي ويستفز من الشيخوخة ما سكن.

أستاذ الأدب العربي في جامعة مؤتة

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق