مَنْ يَنبِشُ فَوقَ قَبرِ الوطَنْ؟

مَنْ يَنبِشُ فَوقَ قَبرِ الوطَنْ؟
د. جودت سرسك

اتَسمَ الأدبُ في العصرِ الفكتوري بواقعيةٍ خاليةٍ من المنظور الاجتماعي والسياسي لأنَّ صدقَها يتمثّلُ بتصويرِ الواقع وكشفِ اللثامِ عنه، تحتَ تأثير المنظورِ العلميِّ ومنجزاتِ الثورةِ الصناعية.
وقدْ كانَ التفاؤلُ في ذلك العصرِ مِن أبرزِ ملامح الأدبِ الذي طغتْ عليه السعادةُ بمنجزاتِ الثورة الصناعية في عَهدِ ما بعد عصرِ النهضة والثورة الصناعية.
تشارلز ديكنز الذي أظهرَ الجانب المظلمَ للعصر الفكتوري في رائعته أوليفر تويست وقصة مدينتين،وتوماس هاردي الذي نقد أوضاع المجتمع وبيّنَ مناخِرَ السُوسِ فيه وقسوة القلوب في قَصيدة 🙁 من ينبش قبريAh, Are You Digging on My Grave..)
يرسُمُ هاردي صورة ًقاتمةً للبَشَرِ وخيانتِهم ،وكيف أنّه يسمَع صوتَ مطارقِهم تحفِرُ فوق قبره ،فيناجيهم واحداً تِلوَ الآخَرِ ، مَنْ ذا الذي ينبِشُ قبري؟ أهو رفيقُ عمري؟ أجِئتَ يا زوجي لتزرعَ الوردَ فوق تُرابي؟ أتذْكُرُ حِضنَك الدافِي وحنينَك الصافِي؟ كلّا ، بالأمس كانَ عُرسي وعَلمْتُ أنَّ الموتَ كأسٌ يدورُ على الجميعْ، ولا ينجو مِنه شيخٌ ولا رضيعْ، فلجأتُ للزواج وللعفافِ .
أَهُمْ أهْلي الذين ينبشون قبري؟إنّه ضربٌ مِن الجنونْ، غرسُ الزهورِ وذرفُ العيونْ، فلا يرُدُّ ذلك موتاً ولا أجلاً.
مَن ينبشُ قبري؟أهْيَ خصيمتي ؟ جاءت تعصفُ أمري، وتهيِّجُ قَهري؟كلّا، لم تعُدْ خصومتُكِ ذاتَ معنى ، فموتُك أنْساها المرّ والمُحلّى، ولستِ لها أهلا.
إذاً ،منْ ينبشُ قبري ؟ قد عيلَ صبري . ردّ الكلبُ مِن فوقِها :إنّه أنا ياسيدة الألطاف ، أرجو ألّا أكون قد قضضتُ مضجعك .إذاً أنتَ مَن ينبشُ قبري ، كيف غاب ذاك عني أيها الوافي؟ وفاءُ كلبٍ لا يَنسى.لن ينسى عطفي، لن ينسى.
أيقنتُ أنّ لا وفاءَ سوى للكلبِ، هو من ينبش قبري، ويَحِنّ لماضٍ منسي ،ليس كَمنْ ضيّع فرحى، ومزّقَ ذكرى عُرْسي.
أطرقَ الكلبُ وأخفى حاجتَه وأرخى لهاثَه، وراح يخبِرني : عذراً سيدتي فقد أخفيتُ عظمةً قُربَ قبرِكِ ونبشتُها لمّا جفّ ضرسي ،ونسيتُ أنّكِ تقطُنين هنا، فعذرا وسأغيّرُ مكانَ نبْشي وطَقْسي.
ما أكثَرَ مَنْ ينسُون الوطنَ وسقايَتَه وغراسَه، وينبشون تُربَه بحثاًعن عِظام ادخروها، ويجيّشون الشعرَ والنثرَلحسابات قوافيهم، ويُبْكون عيونَ مَن يسمَعُهم ويتّهمون سدَنةَ الوطنِ بأنّهم بلا مأوى ويشكون جفافَ حَلْقِهم، ولا ينظُرسيّدُهم وطالبُ المناصبِ مِن ثقبِ البابِ إلى وطني، ولكنْ يَنظُرُ مِن قلبٍ مثقوبْ، كما قال الشاعر الصائغ.
هذا الذي يسمَعُ نبشَ القبرِ فوقَه فيحاورُه (هاردي) هو جُثّةُ الوطنِ، تظنُّ بِمَنْ يرعاها أنّه على العهد، ليجدَ النكرانَ يَنخُر في كلّ مَنْ ظنّ أنّه احتضنه ورعاه، فليسَ أقلَّ مِنْ غَرسِ الزهورِ كي تُبرِّدَ حرّ القبر عليه ،فحتّى الكلابُ التي ظنّ بها الوفاءَ جاءتْ تنبشُ عظمَه .
يعلّموننا ألّا نسرق وألّا نُسرقَ، ويسرقون أحلامنا ويرسُمون همومَنا بريشةِ نزواتِهم ورغباتهم ومشيَختِهم الزائفة .
يسْهرُ الوطنُ وينفقُ عليهم ويطيرُ بهم إلى دولِ الرفاه والنُطْقِ بالأعجمية امتثالاً لمتطلبات البريستيج ،ويقلّدُهم الوطن المغصوبُ المناصبَ ويورّثُها لأبنائهم تحت مسمّى أنهم مَن بَنَوْا وصنعوا الوطن ،واستشهدوا دفاعاً عنه ،ولا أحدَ أحقُّ منهم بحليبِ ضرعِه وإنْ جفّتْ حلماتُه وأنهارُه ،وماتَ صغارُ القاطنين على أطرافه وزوّاره ولاجئوه. يتقاضون الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر زورا ،وعلاواتهم السنوية تزيد على ما تزيد وليس لمن يقطنُ في قبرِه أنْ يئنَّ إنْ سُرِقتْ عظامُه.
اتسم العصرُ الفكتوري بالواقعيةِ واتّسمنا بالضبابية والتبعيّة والأنانية ،وكانتْ منجزاتهم حفاظاً على وطن، ومنجزاتنا بيعاً له وتفريطا، والتغنّي بالشعرِ الزائف لتكريس مزيد من التضخّم والسلبِ لعظام مَنْ تحتَ القبر وندّعي الوفاء ولا وفاء.
وقد سمّتْ العَربُ الخمرةَ قهوةً لأنها تُقهي عن الطعام وتُمِيتُ الشهيةَ ،فالسياسةُ خمرةُ الأخلاق في وطني فهي تُقهي عن المروءة وتميتُ مكارم الأخلاق وما نحنُ إلّا بعضٌ من ملامِحها وملامِح العصر الفكتوريّ العروبي القيصري الذي باتتْ الماديةُ مادتَنا وطقوسَنا وجفّتْ الانسانيةُ والمروءةُ مِنْ بينِ مفرداتِنا وقواميسِنا .

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق