من فوق / سهير جرادات

من فوق
بدا واضحا للجميع بأننا شعب يعاني من عقدة اسمها، ” من فوق ” ، وأن ” فوق ” ليس شاغلنا فقط ، إنما أصبح يشكل هاجسا لنا،حيث ينعكس ذلك على كلامنا وتصرفاتنا، فداخل أسرنا تجد الأب يشدد على رفع الأشياء الثمينة في البيت، وبالذات الوثائق والأوراق المهمة في مكان ” فوق “، والأم إذا ارادت أن ترفع شيئا عن أيدي الأبناء من الحلويات ، أو “صفط الحلو” الوحيد ، تبحث له عن مكان ” فوق ” .
حتى شهادات الأبناء سواء الثانوية أو الجامعية ترفع ” فوق” في أعلى رف في المكتبة ، ولا توضع بالرفوف السفلية ، وكذلك طقم الكاسات الثقيلة والتحف توضع على أعلى رف من فوق ، “فوق” من البوفية في غرفة السفرة يخصص لأثمن هدية زواج تلقتها الزوجة من أهلها أو من أحبتها.
وفي المدرسة تجد سماعة الاذاعة المدرسة الصباحية توضع “فوق” ، بالطابق العلوي ، ويقف الطالب المميز بالطابق العلوي ليخطب بالطلبة من هناك “من فوق ” ، والميكرفون يرفع “فوق” باب الادارة ، و” فوق ” في مدارسنا يستخدم لمراقبة الطلبة وتصرفاتهم خلال الفرصة المدرسية .
المهم في الأمر أن نبقى “فوق” ، ولا أحد يعلو علينا ، الكل تحتنا ، وأحنا هناك “فوق” ، أو بجانب الذين” فوق” ..
وفي العمل يسعى الجميع أن يكونوا على علاقة طيبة مع ” فوق “، ويقضي أحدهم عمره وهو يسعى أن يصل إلى “فوق” أو أن يصاحب الذي وصل ل” فوق “، وإذا وصل إلى “فوق “يصبح أمله أن يبقى” فوق” ، وهمه الوحيد أن يرضي الجماعة الذين “فوق “.
حتى زفة العرسان تبدأ من “فوق” الدرج نزولا ، ويعبر أهل العروسين عن فرحهم من خلال رفع العرسان على الايدي أوالكراسي إلذي يحمل على الاكتاف” فوق “، و”صمدة العروسين “،تكون” فوق “على اللوج ، وهوعبارة عن مقعدين يوضعان ” فوق” طاولة السفرة، ليجلس عليها عليها العروسان بطريقة مرئية للجميع وهم “فوق “، ولو ليوم واحد .
ويقضي المواطن عمره، وهو يوهم من حوله أنه واصل إلى الجماعة الذين “فوق” ، سواء من هم في الرابع ، أو في “الكرسي” ، أو في “رغدان” ، أو من يجلسون فوق الكراسي في المواقع المهمة والحساسة .. لكن المشكلة من هم الذين يقبعون “فوق”، وماذا يريد مثل هؤلاء الذين “فوق” ؟ وبالأصل لماذا ” فوق ” ، ومن جعلهم “فوق” ؟!.
ويبقى المواطن يسعى لإرضاء الذين “فوق “، وحلمه أن يصل إلى “فوق” ، لكن للأسف في الغالب يستقر به المطاف في أقرب مقبرة هناك، بعد أن ينثر “فوق” جبهته التراب ، لتنتهي أحلامه بأن يصل إلى “فوق” جسدا ، ويكون نصيب روحه فقط أن تصعد إلى” فوق” .
المشكلة، من هم الذين “فوق”؟ حتى الذي هناك “فوق” أكد في أكثر من مناسبة بأنه لا يوجد” فوق” أو أوامر من” فوق” !!
Jaradat63@yahoo.com

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق