من صور البطولة على ساحة الأرض المقدسة .. الهجوم الثالث على اللطرون

من صور البطولة على ساحة الأرض المقدسة
الهجوم الثالث على اللطرون

( البطل حابس المجالي رحمه الله: خمس طلقات على العدو والسادسة على أنفسنا )
موسى العدوان

نُشر هذا المقال قبل أربع سنوات وأعيد نشره اليوم، بمناسبة التذكير بيوم الوفاء للمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدامى، ولكي يعرف أبطال الشاشات تضحيات رجال الوطن الحقيقيين.

” إنك وجنودك تدافعون عن أرض سبقكم للدفاع عنها قادة عظام، من أمثال عمرو بن العاص وصلاح الدين. ومن أسماك حابس ما أخطأ، لأنك حبست العدو وحلت دون تقدمه. إن كتيبتك الرابعة هي الكتيبة الرابحة بإذن الله “.
” الملك عبد الله الأول ”

لم تقدم الطرق الفرعية التي شقها اليهود بين الجبال الوعرة، الحل المنشود لتأمين طريق الاتصال مع القدس. لذلك انصبت أفكار قادتهم على ضرورة القيام بهجوم ثالث واسع النطاق، للاستيلاء على مرتفعات اللطرون وجبال يالو، والسيطرة على طريق باب الواد قبل حلول الهدنة، التي كانت الدول الكبرى تضغط من أجل فرضها.

وضع العقيد الأمريكي ماركوس خطة الهجوم للقوات اليهودية، على أن تنفذها قوة مؤلفة من ثلاثة ألوية من أفضل ألوية البالماخ ( الصاعقة ). وقضت الخطة أن يتم الهجوم على أساس القيام بحركة كماشة ضد موقع اللطرون، على أن تأتي الضربة الرئيسية من الشرق هذه المرة، بقصد الفصل بين الكتيبتين الثانية والرابعة عن بعضهما، ودعم الهجوم الرئيسي بسلسلة من الهجمات التضليلية من ناحيتي الشرق والغرب.

أما في الجانب الأردني فقد كان الاعتقاد السائد لدى القادة، بأن اليهود لابد وأن يقوموا بهجمات أخرى غايتها فك طوق الحصار عن القدس. ولذلك مضت الكتيبتان الثانية والرابعة في الاستعداد لأي هجوم جديد، والاستمرار بتسيير الدوريات المقاتلة والكاشفة في المواقع المواجهة للعدو.

وفي ليلة 8/9 يونيو 1948 زحفت قوات العدو تحت ستار الظلام، حتى وصلت في الساعة الحادية عشرة إلى المواقع الأمامية للكتيبة الرابعة، ونشبت المعركة على أشد ما تكون المعارك، واستخدمت الكتيبة جميع أسلحتها وساندت العملية سرية مدفعية بواسطة ضابط الملاحظة محمود المعايطه.

تأزم الموقف وبدا الخطر شديدا خاصة عندما تمكن جنود العدو بعد الساعة الثانية صباح يوم 9 يونيو الوصول إلى نقطة ملاحظة المدفعية، بعد أن أضطر المدافعون عنها إلى التراجع. وأقترب جنود العدو من مركز قيادة الكتيبة، حتى أصبحوا على مسافة 70 ياردة منها.

في تلك الأثناء كان قائد الكتيبة المقدم حابس المجالي، يعد العدة للقيام بهجوم معاكس. فاتصل بقائد السرية المساندة وبقائد سرية القيادة ، وطلب إليهما حشد جنودهما ومهاجمة العدو بقيادة الملازم الأول نصر أحمد وطرده من المرتفع. كانت النقاط التي استولى عليها العدو ذات

أهمية كبيرة، وإذا استطاع أن يتثبت فيها ويستولي على قمة التلة وعلى مقام معاذ بن جبل، فإن مواقع الكتيبة كلها تصبح تحت سيطرته وتحت تأثير نيران أسلحته. وأصبح الموقف في هذه الحالة حرجا، فإما الحياة أو الموت، وإما طرد العدو أو الهزيمة.

وغير بعيد عن قائد الكتيبة حابس المجالي، كان يقف طبيب الكتيبة الدكتور يعقوب أبو غوش، فسأله حابس : ” كم رصاصة في مسدسك ؟ أجاب الطبيب 6 رصاصات. فقال حابس : في مسدسي أيضا 6 رصاصات، وصمت لحظة ثم قال : سنبقى هنا . . وإذا وصل جنود العدو إلينا . . سيطلق كل واحد منا 5 رصاصات عليهم، أما السادسة فسنطلقها على أنفسنا . . ! “.

كان هناك مدفع رشاش للعدو على طرف التلة أخذ يبطئ في إطلاق النار، فأدرك حابس أن عتاده قارب على الانتهاء. وعندها أمر الوكيل فنخور أحمد بأن يبادر بمهاجمته. وما لبث فنخور حتى باغت جنود الرشاش بنيران بندقيته، وقضى عليهم واستولى على الرشاش، الذي قُدّم فيما بعد هدية إلى الملك عبد الله من قبل قائد الكتيبة.

تم تجميع قوة بحجم فصيل مشاة ( 35 جنديا ) وتولى النقيب عزت حسن قيادته وقام بهجوم جريء على العدو أدى إلى هزيمته. أما الملازم نصر أحمد فقد سارع بجمع 60 جنديا من الكتبة والسائقين وجنود الخدمات، وألقى بهم كلمة حماسية ثم اقتحم بهم مواقع العدو، التي كانت على بعد 200 ياردة تقريبا، وهم يرددون ” عبارة الله أكبر ” ويطلقون النيران الكثيفة. استمرت المواجهة بين الطرفين لمدة ربع ساعة، هرب بعدها العدو وتلاشت مقاومته في الموقع.

كانت تلك الهجمات والعمل الحاسم ذروة المعركة كلها، بالنسبة للمهاجمين والمدافعين على السواء. وكان الهجوم المعاكس جريئا تجلت فيه البسالة والاستهانة بالموت واستمر حتى طلوع الفجر، حيث تبين بأن جنود العدو المهاجمين قد انسحبوا، بعد أن تركوا خلفهم97 جثة على أرض المعركة في منطقة اللطرون. وكانت خسائر الجيش العربي فقط 8 شهداء إضافة إلى 4 شهداء من المناضلين.

وبعد مرور ما يقارب سبعة عقود على تلك المعارك المجيدة، لا يسعنا إلا أن نترحم على روح البطل حابس المجالي ورفاقه من الشهداء والمتوفين، الذين رووا بدمائهم ثرى فلسطين ودافعوا عن المقدسات، إيمانا بواجبهم الديني والقومي، داعين الله أن يسكنهم جنات الفردوس الأعلى. وفي الوقت ذاته نقدم الشكر للأحياء الذين ساهموا في تلك المعارك المشرّفة.

التاريخ : 6 / 8 / 2016

* * *

– المراجع : كتاب أيام لا تنسى / المؤرخ سليمان موسى.
– حروبنا مع إسرائيل / اللواء الركن صادق الشرع.
– تاريخ الأردن في القرن العشرين / منيب الماضي وسليمان موسى.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق