من دارنا هنا لندن / رائد عبدالرحمن حجازي

من دارنا هنا لندن
في بداية السبعينيات كان من الضروري االعمل على اقتناء ذلك الجهاز في كل بيت , وخصوصاً بعد ما مر بمنطقتنا من أحداث محلية واقليمية . إنه ذلك المذياع الصغير المغلف بالجلد البني اللون . أنا أتذكره جيداً ولا زالت رائحة بيته الجلدي في خلايا أنفي الشمية . بالاضافة لطقم بطاريات البيريك الزرقاء متوسطة الحجم , والأنتين أو الهوائي لضبط الصوت ووضوحه من خلال إدارته وتوجبهه للحصول على صوت واضح .
نسمع إشارة البدء للنشرة الإخبارية وقد كانت عبارة عن صوت قرع الأجراس لتنتهي بصوت ضربة واحدة وقوية لذلك الجرس , وبعدها مباشرةً نسمع ذلك الصوت المخملي وهو يقول على رأس كل ساعة : “السلام عليكم ورحمة الله وبركاته , الساعة كذا تماماً في لندن بتوقيت جرنتش” . في ذلك الوقت لم أكن قد تجاوزت العاشرة من عمري ولا أدري ما المقصود بجرنتش أو لندن . فقد كنت أظن أن جرنتش ساعة حائط بندولية والتي كانت منتشرة في معظم البيوت حينها .
أما لندن فهي الأخرى كنت أظنها إحدى المناطق في بلدتي لدرجة كنت أظنها في بيتنا , كون جدتي رحمها الله كانت كلما أرادت أن تسمع الأخبار تقول لنا : هي ولكوا هو اسكتوا شوي تا مني أسمع شو قاعد بصير عنا . ومن خلال هذه الجملة والتي كانت تعيدها عليناً على رأس كل ساعة تولدت لدي قناعة تامة بأن لندن هي إحدى غرف المنزل .
كبرنا وتقدم بنا العمر والمنزل بقي كما هو , لكنني أدرك بأن جرنتش هو خط وهمي يمر ببلدة جرنتش اللندنية وقد قسّم الكرة الأرضية لقسمين (شرقي وغربي) . وأدركت أيضاً بأن لندن هي عاصمة القرار للسياسة العالمية آنذاك . نعم لقد توضحت الامور بالنسبة لي فأنا لم أعد أعتقد بأن لندن موجودة في دارنا كما كنت أتخيلها بسبب تردد ما كانوا يقولونه مذيعي تلك الإذاعة بجملتهم الشهيرة ” هنا لندن” .
للأسف اليوم كثرت خطوط جرنتش التقسيمية بنوعيها الطولي والعرضي , ولكن هذه المرة ليست في جرنتش بل في بلاد العرب . أما لندن لا زالت عاصمة القرار السياسي العالمي .

الوسوم
اظهر المزيد

تعليق واحد

  1. مقال اكثر من رائع للأستاذ حجازي، صح فوك وصح قلمك، اخذتنا معك في مشوار مميز، لا يدركه الا من عاشه كواقع. .

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى