ملكة مطمئنة على عرشها / موسى العدوان

ملكة مطمئنة على عرشها

أرغب أن أوضح بأنني أقصد بالعنوان أعلاه، الملكة في مجتمع النحل، وليس الملكة في مجتمع البشر، والسبب أن مجتمع النحل يعتبر من أنشط المجتمعات على وجه الأرض. حيث يتقاسم أفراده العمل كل حسب اختصاصه ويؤدي واجبه بإخلاص، ولا يُسمح لكسول أن يتواجد بين أعضائه. وإذا حدث أن تكاسل أحدهم في عمله كان مصيره الطرد.

فخلية النحل تمثل مملكة لها قوانينها وأنظمتها الخاصة، وتترأسها ملكة جميلة ممشوقة القوام لا يستطيع أحد مخالفة أوامرها. تتضمن الخلية من بين سكانها مئات الذكور وآلاف الشغالات اللواتي يقمن بحراسة الملكة، وتنظيف الخلية، وجمع الرحيق من الزهور. الملكة تسيطر على الخلية وتقوم بتصريف أمورها الإدارية، كما تنتج البيض الذي يصل تعداده إلى ألف بيضة. ومن أهم صفاتها أنها لا تلسع الإنسان إذا اقترب منها.

أما مهمة الذكور في الخلية فهي مقتصرة على تلقيح الملكة ثم تودع الحياة بعد الزواج، وتقوم الشغالات بطرد من بقي من الذكور أحياء خارج الخلية. وهكذا تعيش الملكة في مجتمعها وفوق عرشها، مصونة من كل شر لعمر يمتد من 3 – 5 سنوات.

يقول الدكتور علي الوردي في كتابه ” مهزلة العقل البشري ” ما يلي :
” حينما ننظر إلى مجتمع النحل مثلا، نجد كل نحلة فيه تسعى نحو القيام بوظيفتها الاجتماعية من غير تذمر أو احتجاج. فملكة النحل مطمئنة على عرشها المصون، لا يخطر ببالها أن يأتي أحد من رعاياها إليها يوما فيعترض عليها قائلا : لماذا هذا الترف والراحة والتصرف بممتلكات الخلية، وأنا كادح أسعى لجمع العسل طول عمري ؟ وسبب هذا : أن النحل يتحرك في أعماله حركة غريزية، تشبه في بعض الوجوه حركة الآلة التي لا تشعر بذاتها. ولهذا نجد مجتمع النحل باقيا على حاله ملايين السنين لا يتطور ولا ينمو.

أما المجتمع البشري فهو في تطور مستمر. والإنسان حين يخدم مجتمعه، يدري أنه يخدمه وهو يريد من وراء ذلك جزاء. إن غريزته لا تدفعه إلى الخدمة كهدف اجتماعي، إنما هو مدفوع إلى الخدمة كوسيلة لحب الظهور من جهة، ومن أجل الحصول على القوت من الجهة الأخرى. ومشكلته أنه دائم التذمر والتشكي، يرى في نفسه أكثر خدمة من غيره أو أعلى همة وأصح فكرا، ولهذا يطالب بجزائه الأوفى. وإذا رأى الفرد أن المجتمع لا يقدره على خدمته تقديرا مرضيا، لجأ إلى الشكوى والصراخ وقال : ” هكذا يصعد الأدنياء ويهبط الشرفاء “.
* * *
التعليق : عندما نتأمل في طبيعة عمل النحل ونقارنه بطبيعة عمل البشر، نلاحظ أن الكثير من الرجال يعيشون هذه الأيام كما يعيش ذكور النحل، تاركين المسؤولية والفعل إلى زوجاتهم، وما عليهم إلا المراقبة وتلقي الأوامر. وهناك فارق آخر هو أن الأشخاص في المجتمع البشري لا يعمل معظمهم في تخصصاتهم بأمانة وإخلاص، ولا يحاسب أو يطرد المقصّر في عمله، على غرار ما يجري في مجتمع النحل. وبهذا يؤل المجتمع البشري إلى الترهل والتخلف وتردى حال الأمة.

التاريخ : 29 / 7 / 2019

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى