الاصابات
676٬175
الوفيات
7٬987
قيد العلاج
51٬092
الحالات الحرجة
729
عدد المتعافين
617٬096

مكياج الاقالة واحمر الشفاه

مكياج الاقالة واحمر الشفاه
د.فلاح العُريني

في عالم السياسة وفرض السيادة، تكون الاجراءات من قبل الحكومات مغلفة بغلاف القانون، فالقانون هو العصا التي تضرب بها الحكومات من تشاء للحصول على ماتشاء، فإذا ما سألتها عن علاقة المواطن بما يجري من ضبط وربط، اجابتك: كلنا تحت القانون، والقانون فوق الجميع..
فكلمة (كلنا) يقصد بها عملياً الشعب، وكلمة (الجميع) ايضا يقصد بها الشعب الناقد او مايسمى بالمعارض للنهج الحكومي، لذلك نجد ان القانون يتفاعل على درجة حرارة تساوي درجة حرارة المواطن الكامنة في قلبه، ويتمحور القانون ويُحرَّف ويُعرَّف كيفما شاءت الحكومات عند درجة حرارة تساوي درجة حرارة اللسان والقلم..
وعليه وبعيداً عن لغة الطب وعلم الفسيولوجيا فإننا نجد المسؤول والمتنفذ في وطني من ذوات الدم البارد، الذي تسكن امامه القوانين وتخمل..
هذه تلك سنة الحكومة التي ليست لها تبديلا..
فمن غير المألوف، ومن غير المتصور، ومن غير الممكن بكل لغات الحكومة الأردنية أن يكون هنالك اية تفاعل بين القانون والمسؤول، فتلك مسلمات علمية حصلت على اساسها الحكومات المتعاقبة على براءة اختراع..
ومن غير المتصور ايضاً ان يخترق اي مسؤول حكومي هذه النزعة الظالمة، مهما علا واستفرد بالقرار..
كل هذه المقدمة جاءت كديباجة للاجابة على سؤال الشارع الأردني المذهول مما سمع ورأى حول اقالة وزيري الداخلية والعدل..
فالدهشة ليست بالاقالة بحد ذاتها، وانما بالثوب الذي لبسته هذه الاقالة وهو تطبيق القانون على الجميع.. وكأننا في كنف حكومة تؤمن بالمادة السادسة من الدستور والتي جعلت من الأردنيين سواسية، فهذا ضرب من الخيال والجنون، بل هو الخلاعة والمجنون ان كنا مصدقين لها..
ويبقى سؤال الشارع:
كيف جاءت اقالة وزيرين في وزارة سيادية تمثل الداخلية، ووزارة رديفة وملاصقة بحجم وزارة العدل؟
عقل الشعب ليس فارغاً، وذاكرة الشعب ليست ذاكرة ذبابة، ووعي الشعب ليس وعاءً اجوف..
لم يكن القانون يوماً فوق الجميع، فطويلو الاعناق والمتطاولون في البنيان تجاوزت اكتافهم ناصية القانون، ولم يكن الجميع يوماً تحت مظلة القانون، فمن استظل بالمال والكرسي والمنصب، لايرى في القانون ظلاً يحميه ولا بالعدل بيتاً يأويه..
هل من المتصور ان تتم اقالة وزيرين بحجم المبيضين والتلهوني بسبب لُقَيمة تناولاها في مطعم بحضور بضعة اشخاص، ربما تجاوز عددهم مانص عليه أمر الدفاع وربما لا..؟
هل تمتلك أوامر الدفاع كل هذه القدسية، لدرجة ان تطيح بوزراء مخضرمين بلا هوادة؟
دعونا نحلل القضية بربطها بالماضي من خلال الانتهاكات الصارخة للدستور والقوانين من قبل الحكومة نفسها، وكذلك انتهاكها لأوامر الدفاع، ثم نضع الفرضيات والغايات من وراء هذه الاقالة..
أولاً: كلنا نعلم جيدا ان هنالك مسؤولية ادبية تقع على عاتق المسؤول او الوزير في حال حدوث اي خلل في دائرته أو مؤسسته يصل لدرجة الرأي العام، وتتمثل هذه المسؤولية باقالة المسؤول من منصبه كرد اعتبار للشعب والرأي العام، ومثال ذلك قضية فاجعة البحر الميت والتي ذهب ضحيتها واحد وعشرون طفلا..
فأين العدالة ومنطق القانون تجاه كل من وزيري التربية والسياحة في ذلك الحين؟
كيف تم التحايل والضحك على عواطف الشعب والاستهتار بمشاعره..
وزيرة السياحة تمت اقالتها ثم تعيينها سفيرة للاردن في اليابان، ووزير التربية تمت اقالته ثم تعيينه في منصب لايقل اهمية عن منصبه السابق.
ثانياً: أين كانت الحكومة الأردنية عن حفظ هيبة قانون الدفاع والاوامر الصادرة بموجبه والمتعلقة بوقف التعيينات، عندما قامت باختراق اوامر الدفاع من خلال تعيين ابن رئيس وزراء سابق بوقت تُحرَّم وتُجرَّم فيه التعيينات، وبمنصب لم نسمع به او نألفه من قبل، وبراتب جعلنا نرى ان التفرقة بين افراد الشعب سببا في الهلاك لاسمح الله.؟
ثالثا: اين كانت الحكومات الأردنية عن التجمعات والمناسف واطلاق العيارات النارية من قبل اشخاص يدعون بأنهم ممثلي الشعب ويطلقون على انفسهم لقب نائب زورا وبهتانا؟
اليس في ذلك احرج للحكومة وللمؤسسة التشريعية التي ينتمون اليها؟
فمن غض الطرف عن ثمانية عشر نائب وتجاهل جرمهم المشهود اعتقد برأيي ورأي الدستور وقواعد العدالة والانصاف انه أولى بالاستقالة..
رابعاً: ماهو المعيار الحقيقي في اختيار اعضاء الحكومة؟ وهل يملك رئيس الوزراء ادنى حرية في اختيار فريقه الوزاري؟
لو كانت الكفاءة والوطنية والاخلاص في العمل هي الاساس، لما وصلنا إلى مسؤولي دولة يضعون النص القانوني وينتهكونه، فقمة الخطورة ان ينتهك القانون من شخصين احدهما مكلف بتطبيق القانون والاخر مكلف بتنفيذه، لكنها للاسف سياسة المخالطين والترضيات جعلتنا في القاع وعلى ابواب السجون، وجاءت بمن اوصلوا البلد الى هذا الحال.
خامسا: كلنا يعلم نظام الخدمة المدنية والقوانين المتعلقة بالوظيفة العامة وكذلك العقوبات المطبقة على الجرائم المرتكبة بحكم الوظيفة، وهذا يجعلني اتساءل اذا كان القانون فوق الجميع، هل ستكون هذه الفوقية مكتملة، ام هي سحابة خداع عابرة؟
وبمعنى اخر واكثر للتوضيح:
مادام هذين الوزيرين ارتكبا هذه المخالفة بحكم الوظيفة وتمت اقالتهما، هل سيتم حرمانهم من الراتب الشهري وكافة استحقاقاتهم، شانهم شأن باقي موظفي الدولة؟
هل نكتفي بالعقوبات الادارية، ام نطبق عليهم قانون العقوبات، والجزاء وفقا لاوامر الدفاع؟
فالقانون اما ان يطبق جميعه او يترك جميعه، وخلاف ذلك نكون امام قانون لايعترف بالعدالة اصلا..
بناء على سبق نرى وبثقة ان الاقالة لاعلاقة لها باحترام القانون وتطبيقه، فالسوابق الحكومية تؤكد ان القرارات في وادٍ والقانون في وادٍ اخر، والعدالة اهزوجة أردنية نسمعها ونحن حيارى فقط.
اذن ما الدافع لهذه الاقالة؟
ارى وبحق ان الاقالة جاءت فقط للتغطية على اخطاء الحكومة واندثار شعبيتها في الشارع، محاولة بذلك مسك زمام المبادرة من جديد، تلك المبادرة التي احمرت خجلا من هول الفساد والظلم والفقر والاضطهاد، فسلوك الحكومة اصبح كمياج العروسة الذي يأتي بعد ليلة الزفاف الاولى، اضف الى ذلك اغتيال الشخصيات التي اجد فيها الحكومة اهلا لذلك متى شاءت..
بقي ان اقول اننا بحاجة الى احمر الشفاه، ليوضع على الخدود عنواناً للخجل الاصطناعي.
اقول قولي هذا واسأل الله الفرج لي ولكم..

اقرأ أيضاً:   الكلمة الشفرة… الكلمة الطلقة ّ

مسكارة_الحكومة

د.فلاح العريني.

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى