مفارقة الإختيار

مفارقة الإختيار

أنس معابرة

إذا أردت أن تشتري جهاز كمبيوتر وذهبت الى أحد #المتاجر، ستجد أن هنالك الكثير من الإختيارات، حسب النوع والكفاءة والحجم والسرعة وغيرها، ولكن تعدد #الخيارات الى هذه الدرجة قد يجعلك تشعر بالحيرة والإرتباك، وتؤجل الشراء الى وقت لاحق.

وهل أدركت يوماً الوقت الذي تمضيه صباحاً في إختيار #ملابس_العمل وتوفيق ألوانها؟ هل تساءلت عن السبب الذي يجعل أشخاص مرموقين مثل مارك #زوكربيرج يرتدي نفس الملابس كل يوم؟ سأله أحد المذيعين عن السبب فأجاب: “أملك نحو عشرين قميصاً متطابقاً، وإلا كنت سأحتاج الى أكثر من دقيقة لإختيار ملابسي كل يوم، وأنا أعتقد بأن شركتي أحق بهذا الوقت”.

مقالات ذات صلة

إذا كنت تستسخف رد مارك على السؤال وتعتبرها كنوع من المبالغة؛ قم بالحساب معي في المثال التالي: تحتاج كل أسبوعين أو شهر تقريباً لشراء قطعة ملابس، وتحتاج الى غسلها وتنظيفها وكويها وتنسيق الألوان وتصنيف الجوارب وغيرها، ولنفترض بأن الوقت اللازم لجميع تلك الأعمال في المتوسط هو 15 دقيقة في اليوم، ذلك يعني 105 دقائق في الأسبوع، و450 دقيقة في الشهر، وقرابة الأسبوع في العام، هل تدرك ما يمكن أن تفعله خلال أسبوع؟

قد يعتبر البعض الإختيارات المتعددة نوع من أنواع الرفاهية، صحيح هي كذلك، ولكن إغراقك في الإختيارت هو نوع من أنواع التعذيب، لأنك ستحتاج الى جهد كبير لإتخاذ القرار، وستشعر بعد ذلك بعذاب الضمير كونك لم تختر شيئاً آخر، وربما تتولد لديك قناعة بأن إختيارك لم يكن موفقاً ومثالياً.

تتبعُ الكثير من الشركات سياسة الإختيارات الكثيرة، مثل شركات الإتصالات والمطاعم ومستحضرات التجميل والتنظيف، وبعدها تؤشر لك بطريقة إعلانية خفية على المنتج الذي ترغب ببيعه ويؤمن لها أكبر نسبة من الربح، فتتوجه اليه بسرعة كتوجه الغريق الى طوق النجاة، قبل أن تغرق في الإختيارات الكثيرة التي أصابتك بالحيرة والتردد.

أُعطي أولادي وقتاً محدداً لإختيار نوع واحد فقط من الحلوى خلال تواجدنا في مركز التسوق وأراقب ردود أفعالهم، في البداية يصاب أطفالي بالفزع والتوتر أمام الأرفف الكبيرة التي تتراص عليها مئات الأنواع المختلفة من الحلوى، وبمجرد أن يختار أحدهم نوعاً منها، يسارع الآخرون الى تناول نفس المنتج، وكأنه أزاح عن كاهلهم حملاً ثقيلاً في تحديد الصنف، وفي أغلب الأحيان يشتري ثلاثتهم الصنف نفسه.

وبالمثل؛ تتقن زوجاتنا إعداد مئات الأصناف من الطعام، ولكنها لا تكف عن السؤال كل صباح عن الصنف الذي يجب عليها إعداده لوجبة الغداء، بينما لو كان لديها نوع واحد من أنواع الخضار فقط؛ لما شعرتْ بالحيرة والتردد.

قد تجد الإفراط في تواجد الخيارات أحياناً، فحين تبدأ بالبحث عن مدرسة مناسبة لأطفالك، وتبدأ بإستشارة الناس من حولك، لن يتفق شخصان على الرأي ذاته، وستزداد حيرتك مع زيادة الخيارات المطروحة أمامك.

ولكن ما الذي يجب علينا فعله في هذه الحالة؟ الجواب يكمن في تحديد الإحتياجات بدقة؛ فإذا كنت تبحث عن مدرسة قوية في المنهج، ومناسبة في التكاليف، لا تنظر الى موقعها، ولا الى آراء الناس حول إداراتها وشكل مبانيها، فقط ركز على إحتياجاتك، وتناسى آراء الآخرين.

وإذا كنت تبحث عن مطعم لتناول وجبة العشاء مع الأسرة، كل ما عليك أن تركز على نوعية الطعام الذي تحبونه، وتكلفة العشاء، بالإضافة الى نظافة المطعم وهيئة العاملين فيه، أما المواقف الشخصية التي تعرض لها الآخرون، فهي لا تعنيك أبداً.

لا أجد تشبيهاً للكثير من الخيارات المطروحة أمامنا سوى أنهم مستأجرون في أدمغتنا من غير أن يدفعوا الأجرة، يرهقون تفكيرنا، ويوترون أعصابنا، ويتسببون أحياناً بإختيارنا لخيارات خاطئة تماماً.

خلاصة القول: أنت بحاجة الى إتخاذ 200 الى 240 قراراً في اليوم، في كل قرار؛ إستبعد جميع الخيارات التي لا تعنيك، وركز على إحتياجاتك فقط، وبالتالي ستتقلص قائمة الخيارات المطروحة أمامك، وستزاد إحتمالية وقوعك على الخيار الأمثل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى