معجزات الخلق في الدورة الدموية الجنينية

معجزات الخلق في الدورة الدموية الجنينية

الدكتور منصور ابوشريعة العبادي\جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية

تتجلى قدرة الله عز وجل وعجيب إبداعه عند دراسة تصميم مختلف أجهزة جسم الإنسان وطريقة عملها وفي هذه المقالة سأبين بعض معجزات الخلق في تصميم الدورة الدموية للأجنة (fetal circulation) . ففي الأجنة يكون الجهازان الهضمي والتنفسي في حالة تعطل مؤقت فكان لزاما إجراء تعديلات بالغة الدقة على الدورة الدموية للجنين وذلك لكي يتم إيصال الغذاء والأوكسجين لجسم الجنين من الدورة الدموية للأم. ففي الدورة الدموية العادية يتم جلب المواد الغذائية التي تمتصها الأمعاء إلى الكبد عبر الوريد البابي (portal vein) وأما الدم المحمل بالأوكسجين فيتم جلبه من الرئتين إلى الأذين الأيسر عبر الأوردة الرئوية. وأما في الدورة الدموية الجنينية فيتم جلب الدم الغني بالغذاء والأوكسجين من خلال وريد واحد فقط وهو الوريد السري (umbilical vein) والذي ينشأ من المشيمة (placenta) ويسير داخل الحبل السري (umbilical cord) . وأما دم الجنين المحمل بالفضلات وثاني أكسيد الكربون فيعود إلى المشيمة من خلال الشريانين السريين (umbilical arteries) اللذين يتفرعان من الشريانين الحرقفين (iliac arteries). فالتعديل الأول هو وجود ما يسمى بالقناة الوريدية وهي وصلة عند الكبد تقوم بتحويل نصف الدم الغني بالغذاء والأوكسجين الذي يجلبه الوريد السري من المشيمة إلى الوريد الأجوف السفلي ومنه إلى القلب بينما يذهب النصف الآخر من هذا الدم إلى الكبد من خلال ربطه بالوريد البابي. أما التعديل الثاني فهو وجود فتحة صغيرة تسمي الفتحة البويضية تقع في الجدار الفاصل بين الأذينين وتسمح بمرور الدم من الأذين الأيمن إلى الأذين الأيسر وذلك فقط خلال المرحلة الجنينية. أما التعديل الثالث فهو وجود ما يسمى بالقناة الشريانية وهي وصلة مؤقتة تربط ما بين الشريان الرئوي والشريان الأورطي عند أسفل قوس الأورطي وتعمل كدائرة قصر (short circuit) تمنع ذهاب الدم الذي يضخه البطين الأيمن إلى رئتي الجنين المتوقفة عن العمل وتحوله إلى الأورطي بدلا من ذلك. إن منتهى الإبداع في تصميم الدورة الجنينية هو أن هذه التعديلات الثلاث يتم إبطال عملها من خلال إغلاق هذه الفتحات والقنوات بشكل نهائي ويتم تشغيل الدورة الدموية العادية بمجرد خروج الطفل من بطن أمه واستنشاقه لأول نسمة هواء وبعد قطع حبله السري.

ويوجد في المشيمة (placenta) التي تزود الجنين بالغذاء والأوكسجين مجموعة من التجاويف تسمى برك الدم الأمية (maternal blood pools) وفيها تصب الشريينات الأمية (maternal arterioles) الدم المحمل بالغذاء والأوكسجين. وتمتد داخل هذه البرك شجيرات من الورييدات والشريينات الجنينية تتفرع من الوريد السري والشريانين السريين. وتقوم الورييدات بامتصاص الغذاء والأوكسجين من هذه البرك ونقله من خلال الوريد السري إلى الدورة الدموية للجنين. وفي المقابل تقوم الشريينات المتفرعة من الشريانين السرين بطرح الفضلات وثاني أكسيد الكربون في داخل البركة لتقوم ورييدات المشيمة بجمعها ونقلها إلى دورة الأم الدموية. إن هذا التصميم البديع للمشيمة أمكن تبادل الغذاء والأوكسجين وكذلك الفضلات وثاني أكسيد الكربون بين دم الأم ودم الجنين بدون أن يختلطا ببعضهما البعض فيما يسمى بالحاجز المشيمي(barrier placental) . ولا يتوقف دور المشيمة على عزل دم الأم عن دم الجنين بل تقوم كذلك بمواءمة عمل جهازيهما المناعيين لكي لا يهاجم كل منهما الآخر وكذلك منع مرور الجراثيم بمختلف أنواعها من دم الأم إلى دم الجنين. إن عملية تبادل هذه المواد بين دم الأم ودم الجنين من خلال نفس البركة عملية تحتاج إلى تقدير بالغ في تصميم المشيمة وقد وجد العلماء أن عملية نقل الغذاء والأوكسجين تتم أثناء فترة الضغط العالي لدم الأم بينما يتم نقل الفضلات وثاني أكسيد الكربون بالعكس أثناء انخفاض الضغط فيما بين النبضات.

وكما ذكرنا سابقا فإنه يلزم عمل بعض التعديلات على الدورة الدموية للجنين يراعى فيها عدم ذهاب الدم إلى رئتي الجنين بسبب توقفهما عن العمل وكذلك مراعاة أن الوريد البابي لا ينقل أي دم من الأمعاء إلى الكبد. ولقد تم عمل ثلاثة تعديلات رئيسية في الدورة الجنينية لتحقق هذه المتطلبات البالغة التعقيد. إن أصعب مهمة في تصميم الدورة الجنينية هو إجراء هذه التعديلات بحيث يتم إبطال عملها وتشغيل الدورة الدموية العادية بمجرد خروج الطفل من بطن أمه واستنشاقه لأول نسمة هواء وكذلك بعد قطع حبله السري. فالتعديل الأول هو وجود ما يسمى بالقناة الوريدية (ductus venosus) وهي وصلة عند الكبد تقوم بتحويل نصف الدم الغني بالغذاء والأوكسجين الذي يجلبه الوريد السري (umbilical vein) من المشيمة إلى الوريد الأجوف السفلي (inferior vena cava) ومنه إلى القلب بينما يذهب النصف الآخر من هذا الدم إلى الكبد من خلال ربطه بالوريد البابي. وبهذا التعديل البديع أمكن إيصال دم غني بالأوكسجين إلى قلب الجنين ليضخه إلى جميع أنحاء الجسم وكذلك أمكن إيصال دم غني بالغذاء إلى كبد الطفل الذي يقوم بمعالجته ومن ثم ضخه للدورة الدموية. فلو أن الدم بكامله قد تم ضخه إلى الكبد لضاع الأوكسجين الذي فيه ولو تم ضخه بالكامل إلى الوريد الأجوف لما وصل الغذاء إلى الكبد حيث أن الكبد لا يستقبل الغذاء إلا من خلال الوريد البابي المرتبط بالأمعاء وفي الحالتين سيموت الجنين فسبحانه من خالق بديع.

أما التعديل الثاني فهو وجود فتحة صغيرة تسمي الفتحة البويضية (foramen ovale) تقع في الجدار الفاصل بين الأذينين وتسمح بمرور الدم من الأذين الأيمن إلى الأذين الأيسر وذلك فقط خلال المرحلة الجنينية. إن مهمة هذه الفتحة هو تحويل نسبة كبيرة من الدم الغتي بالأوكسجين الذي يصبه الوريد الأجوف السفلي في الأذين الأيمن إلى الأذين الأيسر ومنه إلى البطين الأيسر الذي يقوم بضخه إلى جسم الجنين. فالأصل أن دم الأذين الأيمن ينزل إلى البطين الأيمن ولكن انخفاض الضغط في الأذين الأيسر بسبب غياب الدم القادم من الأوردة الرئوية يعمل على سحب نسبة كبيرة من هذا الدم من خلال هذه الفتحة. إن تصميم شكل هذه الفتحة البويضية يدل على أن من صممها مبدع لا حدود لإبداعه سبحانه وتعالى فقد شقت بشكل مستعرض لتكون شريحة لحمية (flap) على جهة الأذين الأيسر وتعمل كصمام بسيط يسمح بحركة الدم باتجاه واحد. فقبل الولادة يكون ضغط الدم في الأذين الأيمن أعلى منه في الأذين الأيسر وتكون الفتحة مفتوحة وأما بعد ولادة الجنين وتفعيل عمل الرئتين بوجود الهواء فإن ضغط الدم في الأذين الأيسر يزيد عنه في الأذين الأيمن مما يؤدي إلى إغلاق الفتحة وتبدأ بالإلتحام بالجدار الفاصل بين الأذينين بشكل تدريجي وتختفي تماما خلال ثلاثة أشهر من بعد الولادة. وفي حالة عدم انغلاق هذه الفتحة فإن جزء من الدم الوريدي الداخل إلى الأذين الأيمن والمحمل بثاني أكسيد الكربون سيتسرب إلى الأذين الأيسر ويتم ضخه إلى الجسم مع الدم الشرياني المحمل بالأوكسجين ويسمى هذا الخلل بالفتحة البويضية المفتوحة (Patent foramen ovale) وهو خلل غير خطير ولكنه يقلل من كفاءة أداء الجهاز الدوري.

أما التعديل الثالث فهو وجود ما يسمى بالقناة الشريانية (ductus arteriosus) وهي وصلة مؤقتة تربط ما بين الشريان الرئوي (pulmonary artery) والشريان الأورطي (aorta) عند أسفل قوس الأورطي. إن هذا الوصلة تعمل كدائرة قصر (short circuit) تمنع ذهاب الدم الذي يضخه البطين الأيمن إلى رئتي الجنين المتوقفة عن العمل وتحوله إلى الأورطي بدلا من ذلك. وبمجرد خروج الجنين واستنشاقه للهواء فإن مقاومة الشرايين الرئوية تنخفض بشكل كبير ويبدأ الدم الذي يضخه البطين الأيمن بالتحول إلى الرئتين ومن ثم تبدأ آلية إغلاق القناة الشريانية بالعمل والتي تتم خلال عدة أسابيع . وفي حالة عدم انغلاق هذه القناة فإن جزء من الدم الذي يضخه الأورطي يذهب إلى الشريان الرئوي ويؤدي إلى ارتفاع الضغط فيه عن الحد الطبيعي مما يقصر من حياة الشخص إذا لم يتم معالجة هذا الخلل المسمى القناة الشرياني المفتوحة (Patent Ductus Arteriosus (PDA)).

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق