معتقلو الرأي من منظور دستوري ودولي

معتقلو الرأي من منظور دستوري ودولي
المحامي الدكتور حازم التوبات

حرية التعبير عن الرأي عنصر أساسي في أي نظام ديمقراطي حر. فهي أداة مهمة لقياس مدى التزام الدولة بالنظام الديمقراطي وكذلك التزامها بضمان حقوق الأفراد وحرياتهم, وبدون حرية التعبير سيكون من الصعب إخضاع أنشطة الحكومة لأي نقد أو نقاش سياسي فعال, فهي شرط ضروري لتحقيق مبادئ الشفافية والمساءلة التي تعد ضرورية لحماية المجتمع من الفساد الاداري والمالي. لذلك فحرية التعبير لها تأثير إيجابي على المجتمع في جميع جوانبه السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية, حيث تمكن المجتمع من الوصول إلى الحقيقة بكل سهولة ويسر. وفي هذا يقول الفيلسوف البريطاني “جون ستيوارت ميل” : إن حرية التعبير تشكل شرطا مسبقاً لاكتشاف الحقيقة وانتشارها, فبمنع حرية التعبير ، قد لا تتاح لنا الفرصة لمعرفة الحقيقة وفهم الواقع فهماً كاملاً.
وفيما يتعلق بالقيود المفروضة على حرية التعبير فقد اجاز الدستور الأردني والقانون الدولي فرض قيود على حرية التعبير لاعتبارات منهاحماية الامن الوطني والحق في السمعة والخصوصية, إلاّ أن هذه القيود وفقاً للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يجب أن لا تستخدم كذريعة من قبل الحكومة لحماية نفسها من المساءلة أو اكتشاف أخطائها أو إخفاء معلومات حول عمل المؤسسات الحكومية.
من جانب آخر ووفقاً للمبدأ السادس من مبادئ جوهانسبرغ المتعلقة بالأمن القومي وحرية التعبير والتي اعتمدها مقرر الأمم المتحدة الخاص بحرية الرأي والتعبير عام ,2005 فإن القيود المفروضه على حرية التعبير يجب أن يكون غرضها الحقيقي وأثرها الواضح هو حماية الدولة وسلامة أراضيها من أي تهديد حقيقي كما في حالة التحريض الصريح على الإطاحة بنظام الحكم السياسي بوسائل عنيفة غير مشروعة. وبالتالي ، فإن السعي لتبرير القيود على حرية التعبير على أساس حماية الأمن الوطني ليس مشروعًا إذا كان الغرض الحقيقي منه هو حماية المصالح غير المرتبطة بالأمن الوطني ، كحماية الحكومة من الإحراج أو النقد ، وإخفاء المعلومات حول عمل مؤسساتها ، أو قمع الاحتجاجات العمالية. علاوة على ذلك ، يؤكد هذا المبدأ أن التعبير عن الرأي لا يمكن اعتباره تهديدًا لأمن الدولة ما لم تتمكن الحكومة من إثبات أن هذا التعبير يهدف إلى إثارة عنف وشيك أو أن هناك علاقة مباشرة بين التعبير عن الرأي واحتمال وقوع مثل هذا العنف. وعليه لا يمكن اعتبار الممارسة السلمية للحق في حرية التعبير تهديدًا للأمن الوطني وبالتالي يجب ألا تخضع لأي قيود أو عقوبات إذا كانت تدعو إلى تغيير في السياسات الحكومية أو لتغيير الحكومة نفسها بطرق غير عنيفة أو تهدف الى نقد الدولة ورموزها أو الحكومة و مؤسساتها والمسؤولين فيها . وقد اعتبر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية إن النقد الموجه للشخصيات العامة في الدولة يجب أن يبقى مطلقا دون قيد ما دام أنه يتعلق بالعمل العام دون الاعتداء على الحياة الشخصية , وأن أشكال التعبير التي تعد مسيئة لشخصية عامة لا تكفي لتبرير فرض عقوبات على الأشخاص. وفي هذا تقول اللجنة الدولية لحقوق الانسان “أن جميع الشخصيات العامة ، بما فيها تلك التي تمارس السلطة السياسية العليا مثل رؤساء الدول والحكومات ، تخضع بشكل قانوني للانتقاد والمعارضة السياسية. وبالتالي ، تشعر اللجنة بالقلق إزاء القوانين المتعلقة بمنع انتقاد رئيس الدولة ، أو إهانة موظف عام ، أو عدم احترام السلطة السياسية أو غيرها. فلا ينبغي أن تفرض القوانين عقوبات فقط على أساس مكانة الشخص أو المؤسسات الذي يتم انتقادها.
وعليه, فإن حالات الإعتقال التي تمارس ضد الناشطيين الذين يعبرون عن رأيهم بانتقاد الحكومة ومؤسساتها والحديث عن الفساد ونهب مقدرات الوطن لا تستند إلى أساس دستوري أو دولي, وإن القوانين التي تستند إليها الحكومة لتبرير هذه الاعتقالات هي في الأصل مخالفة لروح الدستور والمعاهدات الدولية التي صادق عليها الأردن وأدخلها في نظامه القانوني, لأنها تعتبر انتهاكا لجوهر الحق في التعبير خلافاً للمادة 128 من الدستور التي تنص على أنه لا يجوز أن تؤثر القوانين التي تصدر بموجب هذا الدستور لتنظيم الحقوق والحريات على جوهر هذه الحقوق أو تمس أساسياتها.
لذلك أن الأوان أن نقول ” بكفي اعتقالات”

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق