مسافرون … آهِ مِنْ قِلّة الزاد وبُعْد السفر ووحشة الطريق

مسافرون … آهِ مِنْ قِلّة الزاد وبُعْد السفر ووحشة الطريق
ماجد دودين

إننا مسافرون إلى الله … من مرحلة إلى أخرى … ومن محطة إلى أخرى …

فالسفر الأول : سفر السُلالة من الطين …

والسفر الثاني : سفر النطفة من الظهر إلى البطن …

والسفر الثالث : من البطن إلى الدنيا …

والسفر الرابع : من الدنيا إلى القبور …

والسفر الخامس : من القبور إلى العَرضِ للحساب …

والسفر السادس : من العرض إلى منزل الإقامة …الجنة أو النار…

اللهمّ إنّا نسألك رضاك والجنّة ونعوذ بك من سخطك ومن النار…

هذا أبو هريرة رضي الله عنه يبكي حين حضرته الوفاة !!!

قالوا ما يبكيك ؟ قال : بُعْد السفر وقلّة الزاد !

ويصف ضرار بن ضمرة علي بن أبي طالب في خلافته بعد وفاة علي لمعاوية ، ويقول : ” إنه ليستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل وظلمته ، كان – والله – غزير الدمعة، طويل الفكرة يقلّب كفه ويخاطب نفسه … ويستمر في وصفه إلى أن يقول: ” وأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سجوفه وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه، قابضاً على لحيته، يتململ تململ السليم ” الملدوغ”، ويبكي بكاء الحزين، وكأني أسمعه وهو يقول: ” يا دنيا أبي تعرّضت أم لي تشوّفت؟ هيهات هيهات؟ غُرّي غيري، قد بتتّك ثلاثاً لا رجعة لي فيك .

فعمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك كبير… آه ! من قلّــة الزاد، وبُعد السفر، ووحشة الطريق”

والله كلما قرأت هذه الكلمات قلت في نفسي : ” إذا كان هذا حال الخليفة الراشد … الخليفة المهدي … الصحابي المبشّر بالجنة … الذي يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله … يشكو قلة الزاد! .. فأين زادنا؟!. ويشكو بعد السفر! فكيف سيكون سفرنا ؟!. ويشكو وحشة الطريق! فما الذي يؤْنسنا ؟!

ولكن لا عجب … لأنه عرف عظمة الله حق المعرفة ! نعم … الآخرة … البعث … الجزاء … الحساب … الميزان … الحوض … الصراط … الجنة … النار مراحل لا بد من المرور بها في سفرنا ورحلتنا.

” * والله لتموتنّ كما تنامون ، ولتبعثن كما تستيقظون ، ولتُجزونّ بالإحسان إحسانا، وبالسوء سوءا، وإنها لجنة أبداً ، أو لنار أبداً “* هذا من كلام قس بن ساعدة ولا تصح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلّم.

فلكي لا ننسى نتدرب في كل يوم على الموت حين ننام … ونتدرب على البعث والنشور في كل يوم حين نستيقظ من النوم وندعو كما علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم : ” الحمدُ لله الذي أحيانا مِن بعد ما أماتنا وإليه النشور ” رواه البخاري

فتعال معي نستمع إلى الإمام المحاسبي يصف لنا مراحل ومشاهد اليوم الآخر : ” … ثم بعد ذلك الفناء والبلاء حتى تتقطع الأوصال وتتفتت العظام ويبلى جسدك ويستمر حزنك فيا حسرة روحك وغمومها وهمومها … حتى إذا تكاملت عدّة الأموات وقد بقي الجبار الأعلى منفرداً بعظمته وجلاله وكبرياءه ثم لم يفجأك إلاّ نداء المنادي للخلائق للعرض على الله جل وعلا … ” وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ” يأمر الله ملكاً أن ينادي على صخرة ببيت المقدس : أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة إنّ الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء “.

فتصور وقوع الصوت في سمعك ودعائك إلى العرض على مالك الملك فيطير فؤادك ويشيب رأسك للنداء لأنها صيحة واحدة للعرض على الربّ جلّ وعلا ” فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ ” فبينما أنت في فزع من الصوت إذ سمعت بانشقاق الأرض فخرجت مغبراً من غبار قبرك قائماً على قدميك شاخصاً ببصرك نحو النداء ” خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ.

فتصور تعرّيك وانفرادك بخوفك وأحزانك وهمومك وغمومك في زحمة الخلائق خاشعة أبصارهم وأصواتهم ترهقهم الذلةُ ” وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا ” … ثم تصور إقبال الوحوش من البراري منكسة رؤوسها لهول يوم القيامة فبعد توحشها وانفرادها من الخلائق ذلّت ليوم النشور ” وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ” …

وتصور تكوير الشمس وتناثر النجوم وانشقاق السماء من فوق الخلائق مع كثافة سمكها فيا هول صوت ذلك الانشقاق … والملائكة على حافات ما يتفطر من السماء ” وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا ۚ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ”

فتصور وقوفك مفرداً عريانا حافياً وقد أُدنيت الشمس من رؤوس الخلائق ولا ظل لأحدٍ إلا ظل عرش رب العالمين ، فبينما أنت على تلك المزعجة أشتدّ الكربُ والوهج من حرِ الشمس ثم ازدحمت الأمم وتدافعت وتضايقت واختلفت الأقدامُ وانقطعت الأعناق من شدة العطش والخوف العظيم .

وانضاف إلى حر الشمس كثرة الأنفاس وازدحام الأجسام والعطش تضاعف ، ولا نوم ولا راحة وفاض عرقهم على الأرض حتى استنقع ثم ارتفع على الأبدان على قدر مراتبهم ومنازلهم عند ربهم بالسعادة والشقاوة .

وأنت لا محالة أحدهم فتوهم نفسك لكربك وقد علاك العرق والفزع والرعب الشديد والناس معك منتظرون لفصل القضاء … إمّا إلى دار السعادة أو إلى دار الشقاء ” وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ” …

فتصور أصوات الخلائق وهم ينادون بأجمعهم منفرد كل واحد بنفسه ينادي نفسي نفسي ” يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ” ” يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * فتصور نفسك وحالتك عندما يتبرأ منك الولد والوالد والأخ والصاحب لما في ذلك اليوم من الخوف والفزع والرعب والذعر والأهوال … ولولا عِظَمُ هول ذلك اليوم ما كان من الكرم والمروءة والحفاظ أن تفر من أمّك وأبيك وأخيك وبنيك ولكن عِظَمَ الخطر وشدة الكرب والهول اضطرك إلى ذلك فلا تُلام على فرارك منهم ولا لوم عليهم إذا فروا منك ” لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ…”” …

ثم تصور الميزان وعظمته وقد نصب لوزن الأعمال وتصوّر الكتب المتطايرة في الأيمان والشمائل، وقلبك واجفٌ مملوءٌ خوفاً متوقع أين يقع كتابك في يمينك أو في شمالك أو من وراء ظهرك .

فالأتقياء يُعطون كتبهم بأيمانهم والأشقياء بالشمال أو من وراء الظهر ( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا) – (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا )…

فيا لها من مواقف ويا لها من أهوال ويا لها من خطوب مجرَّد تَصوُرُها يبكي المؤمن بها حقاً …

وتصور الصراط وهو الجسر المنصوب على متن جهنّم قُدَّامك وتصور ما يحل بك من الوجل والخوف الشديد حين رفعت طرفك فنظرات إليه بدقته ودحوضه وجهنم تضطرب وتتغيّض وتخفق بأمواجها من تحته …

ثم قيل لك وأنت تنظر إلى الجسر بفضاظته وفضاعته وقيل للخلق معك اركبوا الجسر الذي هو الصراط…

فتصور حالتك وخفقان قلبك ورجفان جسمك مما عانيت من الكروب والشدائد والأهوال وقلة المأكل والمشرب والراحة … فتصور مرورك على الجسر بضعفك وثقلك وأوزارك وأنت حاملها على ظهرك … وأنت مندهش مما تحتك وأمامك ممّن يئنون ويزلون وقد تنكّست هاماتُهم …

وتصور الميزان حين لا يذكر أحدٌ أحداً …فعن عائشة رضي الله عنها قالت : ذكرتُ النار فبكيْت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما يبكيكِ ؟ قلتُ ذكرت النار فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال: أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحدٌ أحداً:

عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل؟

وعند تطاير الصحف حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه أم في شماله أم وراء ظهره ؟

وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم حتى يجوز أيْ يعبر الصراط …

” إنَّ الذين تخف موازينهم يخسرون كل شيء … فقد خسروا أنفسهم …(فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ)… وحين يخسر الإنسان نفسه فماذا يملك إذن ؟ وما الذي يتبقّى له . وقد خسر نفسه التي بين جنبيه، وخسر ذاته التي تميزه، كأنما لم يكن له وجود …فلتنظر نفس ما قدمت لغد … وليصغ قلب إلى النذير … وليبادر الغافلون المعرضون المستهزئون قبل أن يحق النذير في الدنيا أو في الآخرة…

نعم … البعث … النشر … نفخة الصور … الأهوال في الكون … أحوال الأرض والجبال والسماء يوم القيامة … الحشر … السؤال والاستجواب … شهادة الحق … الحساب … الجزاء والعرض والقضاء … طلب الفداء … الميزان … رقابة الله … التسجيل والإحصاء الدقيق … الصراط … الشفاعة لمن يستحقها … الحوض … كل هذه المواقف والمشاهد سنعيشها وليس بيننا وبينها إلا الموت والنفخ في الصور “وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ “.

فإذا طلعت عليك شمس يوم من أيام الدنيا بعد نومٍ مستغرق . فاذكر أن هناك يقظة ، سوف تعقب الهجعة المؤقتة في القبر ، يساق بعدها أهل الشر إلى سقر ، ويساق أهل الخير إلى ” مقعد صدق عند مليك مقتدر ” إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ (55) سورة القمر

اللهم إجعلنا ممن يساقون إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر…

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق