مذاهبُ الساحرةٍ وفِقْهُها / د. سمير أيوب

مذاهبُ الساحرةٍ وفِقْهُها

في المرأة وفلسفة القهوة ( النص الأول )
بمناسبة اليوم العالمي للقهوة

غروب ذات يوم ، كنتُ وصديقَ عمرٍ ، آتٍ مِنْ سُحماتا في جليلِ فلسطين المحتلة ، نحتضنُ قهوتَنا بين راحَتَينا ، نتسكع خارج النص واطره ، على الشاطئ الأقصى لثغر الأردن في أقصى جنوبِ أردننا الحبيب ، مدينة العقبة ، حين بَيْنَ الجدِّ والهَزْل ، باغَتَني صديقيَ بسؤالٍ خارج السياق : منذُ عرفتُك ، وأنا ألحظُ بِيُسرٍ ، مدى تذوّقك لقهوتك . تُحْسَدُ على ما تبادِلُك مِنْ مُتعةٍ ، تتوزعُ إشاراتُها بَيِّنَة الملامحِ على الكثيرِ مِنْ تضاريسك . قُلْ لي بربك ، لِمَ تُحِبُّ القهوة لهذه الدرجة من العشق ؟!
مُقَهقهاً بِوجعٍ مهمومٍ ، إنتصبتُ في مُواجهته . مُتَعمِّدا أن يكون وجهيَ مُطلا على سهوبِ الماء ، الممتد بين العقبة في الأردن ، إلى توأمِها أمِّ الرشراش قُبالَتها ، في فلسطين المحتلة . ثم قلتُ بشيءٍ مِنَ الجدِّيَّة : في قهوتي يا إبن الجليل ، الكثير من مذاهب المرأة ، وفقه كل النساء .
سألَ وبراءة مفتعلة في عينية : كيف ؟
قلتُ وأنا لا أقلُّ تخابثا عنه : ما عليك ، تعالَ نستعرض الأمور واحدة تِلوَ ، وشفّة تلوَ شفّه .
قال مُبتسما ، وكَفَّهُ تُربِّتُ على كَتِفيَ الأيمن : كلِّي آذاناً صاغيةً . هاتِ ما عِندك من شطحاتٍ ، يا فيلسوفَ القهوة .
قلتُ وابتسامةٌ تُساكن صفحات وجهي على اتساعه : المرأة والقهوة يا صديقي صنوان رفيقان ، أذواق ومذاقات ، مِلَلٌ ونِحَلٌ. بعضنا يا صديقي ، يُحبُّها حُلوةً . أليسَ كذلك ؟ أكملتُ دون أن أتحرَّى لِسؤاليَ جواباً مِنه . تركته فاغراً شيئا من فِيهِ ، وشيئا مِنهُ مَزموماً ، وقلتُ : ولكنَّ بعضنا يحبها مُرّةً . بعضنا يحبها خفيفة . وبعضنا يحبها ثقيلة . بعضنا يُحبُّها وسَطا . وبعضُنا يُحبُّها ” عالريحة يا دوب ” . أليس كذلك ؟!

خِلْتُ أنَّ عينيه تتوسلان ، لإقتطاع هنيهة يلتقط خلالها أنفاسه . أهملتُ ما ظَنَنتُ . وأكملتُ مُعاتِباً مُستهجناً : لن تُطيقَ معيَ صبراً ! تمهَّلْ أيُّها العَجولُ . فأنا لَمْ أكمِلْ بعدُ إجابتي على ما سَألتَ .

عميقا تنهد ، وانتفخت شفتاه ،بتأفُّفِ المستسلمين المغلوبين على أمرهم ، فخِلته يقولُ : تفضل أكمل شَطحاتَك ، وأمريَ لله وحده .
أكملتُ مَزْهُوّا ، بسيلٍ من الأسئلة التقريرية المُتلاحقة ، لأرهقَ سمعَهُ وعقلَه وقلبَه : ألا ترى يا صديقيَ العجولَ ، أنَّ البعضَ مِنّا يُحبُّ قهوتَهُ مغليَّةً ، وأُخرٌون يُحبُّونَها ساخنةً ، ولا بأسَ إنْ كانت فاترةً أحيانا ؟!
تنفَّسَ العربي إبنُ الجليلِ الصُّعَداء . فَعاجلتُه مرَّةً أخرى ، طالباً منهُ ، التّمَهُّلَ لأكملَ ما بَدأتُ عن الساحرة . فقلتُ أتمنى أن تتذكرَ يا صديقيَ ، أنَّ البعض مِنَّا يُحبُّ قهوتَه مزبوطة . وأُخَرٌ يحبونها رائقة ، وبعضُ يُحبُّها وعلى وجهها رغوة .
هُنا ، رأيتُ غُيوماً مُحتَبِسةً في عينيه . تُنذرُ بشيءٍ منَ الرَّعدِ . فسارعتُ مُكمِّلا حديثي . وكأنَّني لَمْ ألحظ ما بانَ فيهما من تململ ، قلتُ دون أن أنظر إليه : أثق أنّك تعلمُ الكثير عن مُقارباتِ ، كلٍّ مِنّا لِقهوته . أنا مثلا ، أحتسيها بِتَمهل ، شَفّةً تِلوَ شَفّة . وغيريَ يشربُها شَفْطاً . وتسمعُ صوتَ غيري وهو يتذوقها ، وهناك من يَلتَهمُها على الساكت .

ضحكَ صاحبي وقال : ضِقتُ بكَ ذَرْعا . ولكن صحيحُ واللهِ ما تقول . أكْمِل وأمريَ لله . جعلتَني أعشق كلَّ تلاوينَ القهوة .

قبلَ أنْ أُواصِلَ ، ونحنُ في محاذاةِ أوَّلَ ماءِ الشط ، إرتطم بنا الكثيرُ مِن رذاذِ قطيعٍ منَ الموجِ المُشاغبِ المُنْصتِ لِحوارِنا . على ما يبدو ، أبَتْ هيَ الأخرى ، إلاَّ أنْ تُشاركَنا على طريقتِها المائيَّةِ ، شطحاتَ القهوة . فابتعدْنا هاربَينِ كطفلين ، من كثافةِ الرذاذ . تعثَّرْنا بِكُرْسِيَّيْنِ على الشاطئ ، تماما قُبالةَ شيءٍ منْ فلسطين الحبيبة . جَلَسْنا مُتجاورين عليهما . مُسْتَمتِعين بالكثيرِ منَ البَلَل ، مُمْتلئينَ بالكثيرِ من الُّلهاث .

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق