متى ينتهي الخصام بين اللغة العربية وأبنائها؟!

متى ينتهي الخصام بين اللغة العربية وأبنائها؟!
ماجـد دوديـن

من الحقائق التاريخية الثابتة، أنه على مدى أكثر من ثمانية قرون – من القرن الثامن إلى القرن السادس عشر للميلاد – لم يكن في العالم بأسره سوى لغتين يكتب بهما العلم والفلسفة، وهما: العربية في الشرق، واللاتينية في الغرب. وقد حرصت اللاتينية على أن تتغذى من التراث العربي، فترجمت كيمياء جابر بن حيان (ت: 778)، وأخذت عن الرازي (ت: 945)، وعنيت برياضيات الخوارزمي (ت: 844) وبصريات ابن الهيثم (ت: 1039)، وطب ابن زهر (ت: 1062).

وكما حرصت اللاتينية على أن تتغذى من التراث العربي، فقد حرصت العربية – أيضا – على الاستفادة من العلوم والثقافات الأخرى، فبدأ الاهتمام بالترجمة التي حدثت فيها وثبة كبرى بلغت أقصى آمادها في عهد المأمون – الذي كان أكثر الخلفاء العباسيين اهتماما بالثقافة – بمفهومها الشامل – بصورة تقدمية باهرة، ففي عهده ازدهرت حركة الترجمة إلى العربية عن الثقافات الأخرى، ولاسيما اليونانية، إذ ظهرت طبقة المترجمين، ووجهت البعثات للبحث عن المخطوطات الأجنبية، وعقد الاتفاقات للحصول على هذه المخطوطات.

ومعنى هذا أن الترجمة المأمونية، كانت تسير وفقا لخطة واضحة وبرنامج منهجي معلوم، ولهذا حققت في وقت وجيز نتائج كان لها أثرها المبين في تشييد صرح الحضارة العربية الإسلامية التي أسس عليها الغرب حضارته المعاصرة.

ومعنى هذا – أيضاً – أن أجدادنا كانوا أكثر منا تقدميةً وطموحاً وإدراكاً لقيمهم الحضارية، لأنهم لم يقنعوا مثلنا بالأخذ والنقل، بل تجاوزوا ذلك فتمثلوا ما ترجموه أو نقلوه من مختلف الثقافات، ثم مزجوه بما عندهم من علم كي يصنعوا من هذا المزيج الرائع حضارة زاهية كانت لها السيادة العالمية لبضعة قرون.

والحق أن اللغة العربية «لغة حضارية» ولهذا استوعبت في مدى زمني قصير نتاج الحركة العلمية المباركة التي بدأها العرب مع ظهور الإسلام الذي كان يدعو إلى العلم، ويحث عليه، وما أن جاء القرن الرابع الهجري حتى اكتملت قوتها وتثبتت دعائمها، وتبادلها الباحثون في المشرق والمغرب، حتى رأيناها بين عشية وضحاها تتسع لتستوعب موضوعات الخيال والعاطفة في أدب رائق، مع موضوعات الطبيعة والفلك والكيمياء والصيدلة والطب وعلوم الرياضة وغيرها.

نحن أمة لا تتكلم لغتها

إلا انه ومنذ قرن وبعض قرن ووجهت العربية بما لم تواجه به لغة أخرى، فتعرضت من بين لغات العالم – كما يقول العقاد (رحمه اللّه) – لكل ما ينصب عليها من معاول الهدم، ويحيط بها من دسائس الراصدين لها لأنها قوام فكر وثقافة وعلاقة تاريخية، وليست لغة كلام وكفى. وهكذا.. تظاهر على هذه اللغة أقوام ينتمون إلى أمم شتى، ويمثلون مذاهب عددا، وطرائق قددا، وأعانهم عليها قوم آخرون من بينها الذين ينتسبون إليها ويتكلمون بلسانها، والكل ينتقص من مكانتها، ويشكك في قدرتها، ويود لو ظلت في محبسها، أو أن تقبع في دارها، لا تتجاوز علوم الشريعة، ولا تتخطى دائرة دروس اللغة في معاهد التعليم المتخصصة، وما وراء ذلك فهو عليها حرام، وهي منه في مكان بعيد. (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا).

ومن النادر أن نجد الآن عربيا مثقفا يملك ناصية لغته، ويحوز ملكتها، فيقدر عليها، ويستعدي أدواتها التعبيرية حيث شاء: حين يتحدث أو يقرأ أو يكتب، وذلك يرجع إلى عدة أسباب منها:

1 – ضعف الأداء اللغوي، وهي قضية قديمة صار الحديث عنها من معاد الكلم ومكرور القول، ولكن حينما يتعدى هذا الضعف إلى المتخصصين الذين عهد باللغة إليهم، ووضعت أمانة في أعناقهم، فهذا مما يستدعي الغيرة والحمية، فاللحن في التعبير، والخطأ في التحرير، والانحراف عن الصواب في القراءة. أصبحت ظواهر مرضية شائعة لدى كثير ممن يدرسون العربية.

وغدا معلّم العربية – نفسه – يعلمها من اجل وظيفته المعيشية، فلا حب يربطه بلغته، وهو حينما يعلمها لا يغرس في قلوب طلابه مشاعر الحب والحرص والغيرة والاعتزاز.

2 – والمظهر الثاني – من مظاهر الخصومة للعربية – هو إقحام الكلام الأعجمي بغير ضرورة، وهو ما يدل على ذوبان الكيان، والشعور بالدونية والانهزامية، ويتضح ذلك في الحياة الاجتماعية العامة، وفي الحياة الخاصة للأفراد والأسر والجماعات فأينما نول، وأينما نسر أو نتوجه، نقابل أسماء أعجمية. واجهة لدكان، أو عنوانا لشركة، أو لافتة لمؤسسة، والظاهرة تأخذ امتدادا أهوجا، وانتشارا محموما، لا تتبع قاعدة أو تخضع لمبدأ أو عرف أو نظام.

وهكذا تصور الناس أن الاسم الأعجمي يحمل معنى الحضارة، وهو دليل على المدنية، وما هو في الحقيقة إلا صورة موغلة في الغفلة والتخلف، فالتقدم ليس أشكالا ولا ألواناً، ولا أسماء أعجمية غربية أو شرقية فنلهف عليها، ونستبق إليها، لتزهق روحنا، وتذيب ذاتنا، وتمسخ كياننا، وإنما التقدم حقا – كما هو معروف – فكر وعلم وعمل.

وكما يقول أرباب اللغة وأصحاب البيان: «إن ارتقاء اللغة بارتقاء أصحابها رهين.. وانه بغير لغة لا تكون حضارة، بل لا تكون أمة، وان خطر الشعور باللامبالاة يؤدي غالباً إلى مسخ روح الأمة ثم انمحاقها في ظل باهت للآخرين.

والذين يحسبون أن الاسم الأعجمي مدنية نقول لهم: ما هو من المدنية، ولا المدنية منه في شيء. فالاسم الأعجمي لن يصنع أرباحا، والاسم العربي لن يمنع فلاحا، ولكن الأمة دفعت إلى شعوبية جديدة تغذي روح الفرقة، وتذكي نار الفتنة، وتبقي أسباب الشقاق».

أما في الحياة الخاصة – في مجال الأسرة – فقد صار إطلاق الألفاظ الانجليزية والفرنسية – غالبا – على أولى الأرحام وذوي القربى.. هو الأصل والأساس، فاستعملت البيوت ألفاظا مقابلة لألفاظ «العم والخال والعمة والخالة والجدة» فأصبحنا نرى «الأنكل، والطنط، والتيتة».

كما ترجمت كلمات الشكر لدى كثير من المترفين أو المتشبهين بهم، فاستبدلوا بها غالبا «المرسيه» الفرنسية، أو «الثانكس» الانجليزية.

– وما يلحق بهذه القافلة كلمات الاعتذار مثل: «سوري، باردون».

– وكلمات الترحيب أو التحية في اللقاء والوداع مثل: «هاللو، بنجور، بنسوار، باي باي!!».

– وكلمات أخرى للمجاملة أو المواساة مثل: «جودلك – هاردلك».

– وكذلك أسماء الأشخاص مثل: «انجى، سالى، هايدي».

– وبعض الألقاب مثل: «مس – مسز – مستر…».

3 – والسبب الثالث من أسباب الخصومة للعربية – هو: مناهج التعليم والتربية، فمن المعلوم أن مناهج تعليم اللغة تسعى – في كل الأمم – إلى أن يحوز المتعلم ملكتها، ويكتسب مهارتها قبل أن يخرج من المدرسة إلى الحياة العملية، لأنّ اللغة هي أداته المصاحبة له في أي موقع يشغله، أو أي عمل يتولاه.

وإذا علمنا أن اللغة احتلت ركنا ضيقا على خارطة المناهج التعليمية، حتى رأينا موادا أخرى كالانجليزية والفرنسية ربما ضارعتها فيما يتحصل عليه الطالب من درجات أو فاقتها، فمعني هذا – حتما – أن يتناقص اهتمام الطالب بها ويقل جهده فيها، وبخاصة إذا ما كان منهج اللغة المقرر يغريه بالتهاون ويعينه عليه!!

4 – السبب الرابع: من أسباب الخصومة للعربية هو عدم العناية بها بالقدر الكافي في أجهزة الإعلام، حيث تجنح تلك الأجهزة غالبا وخاصة الإذاعة والتليفزيون إلى التوجه إلى المستمعين والمشاهدين باللغة العامية، وقصر الحديث بالفصحى على نشرات الأخبار وبعض الأحاديث العلمية والأدبية المتخصصة.. وهذا الجنوح إلى العامية يدعم اللهجات المحلية ويباعد بين الجماهير ولغتهم القومية، ويشارك في اغتراب الفصحى وعزلها، وكأنها لغة أجنبية.

وبعد فلعلنا نتفق على انه ينبغي أن يبدأ الآن عمل عربي متكامل من أجل البقاء والمصير، بتحرير الشخصية العربية من ربقة الاحتلال العقلي والثقافي، لكي تكون لنا «هوية ذاتية» ندافع عنها ونجتهد في المحافظة عليها، ولا سبيل إلى ذلك إلا بأن نكون عربا خالصين لسانا وبيانا.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق