ما ذنب المزارع ؟

ما ذنب المزارع ؟
م. عبد الكريم أبو زنيمة

يعيش القطاع الزراعي منذ سنين كوارث ومصائب فرضت عليه بسبب السياسات الفاشلة للحكومات المتعاقبة التي لم توليه أهميته كقطاعٍ إنتاجي استراتيجي وحاضن لنسبة كبيرة من حجم العمالة الوطنية ورافدًا رئيسيًا للناتج الوطني الإجمالي، وهنا لا ننكر اهتمام الحكومة بهذا القطاع مع بداية خمسينيات القرن الماضي وفي محطات تاريخية لاحقة أهمها الخطط الثلاثية 1973-1975 للنهوض بهذا القطاع وتلاها الخطة الخمسية 1976-1980 ثم الخطة 1980-1985 وكان احد اهداف هذه الخطط التوسع في ايجاد الاسواق الداخلية والخارجية لزيادة مساهمة هذا القطاع في الناتج الوطني.
أنشأت الحكومات في تلك الحقبة العديد من الهيئات والمؤسسات للنهوض بهذا القطاع، لكن غالبية القائمين على تلك المؤسسات لم يكونوا من الخبراء والممتهنين للزراعة بل من المتنفذين وشركائهم كما هو حال الهيئات والمؤسسات المستقلة اليوم، وكانت اقرب للتنفيع منها للتطوير، ولم تكن هناك مشاركة حقيقية لابناء القطاع الزراعي الممتهنين للزراعة في اعداد الخطط والسياسات والاستراتيجيات الزراعية ولا في المشاركة في ادارة هذه الهيئات وبقيت المسافة بعيدة جدا بين المجتمع الزراعي والمخططين له، وكانوا ينظرون اليه -أي المزارع- بأنه منتج فقط، لكن المضحك المبكي هنا أنه ما أن يفلسون هيئة أو موسسة زراعية حتى ينشئون غيرها وبذات الوجوه والاسماء أو من ورثتهم.
عند انهيار سعر الدينار عام 1988 وما تلاها من سياسات جبائية تضاعفت اسعار كافة مستلزمات الانتاج الزراعي وما اضيف اليها من ضرائب ورفع لاسعار مياه الري والمحروقات، لكن اسعار بيع الناتج الزراعي بقيت ثابته وغالبًا تراجعت، هنا هامش الربح الذي كان يحققه المزارع تلاشى واصبحت كلفة الانتاج اكبر من كلف البيع وبدأ مسلسل خسائر المزارعين موسماً بعد آخر، وعلى امل ان يعوض المزارعين خسائرهم في ظل انعدام فرص عمل لهم في غير هذا القطاع كانوا يغامرون بالزراعة الى أن غرقوا بالديون مع التنويه هنا بان من يتحكم باسعار المنتوجات الزراعية الداخلية والخارجية هم تجار الجملة والوسطاء والوكلاء والسماسرة وهؤلاء يفتقرون الى المعلومات والبيانات التسويقية حول احتياجات الاسواق الخارجية من المنتوجات الزراعية وبذلك فان الاسعار يححدونها فيما بينهم وبما يزيد ارباحهم على حساب المزارعين.
ما ذنب عشرات الالاف من المزارعين ان يحكموا بقضايا افلاس زراعي ويطاردون وتشرد عائلاتهم بالرغم من بذلهم كل جهدهم وطاقتهم لانتاج افضل المحاصيل والمنتوجات الزراعية وبمواصفات ومعايير الجودة العالمية، ما دام ان الحكومات اخذت على عاتقها انشاء الهيئات والمؤسسات الزراعية وحرمته من المشاركة في رسم السياسات الزراعية والمشاركة في ادارة هذه الهيئات! ما ذنب المزارع اذا نهبت غالبية المخصصات المالية لجيوب المنتفعين كرواتب ومكافئات ومياومات وسهرات وحفلات وفشلوا في ايجاد سوق خارجي واحد! وفشلوا في تطوير وانتاج بذرة خيار واحدة او بندورة! وفشلوا في تصنيع عبوة علاج واحد محلي! وفشلوا في السيطرة على الاسواق الداخلية! وفشلوا في التحكم بالنمط الزراعي! وفشلوا في حماية المنتج المحلي من المستورد! وفشلوا في تحديد كلفة الانتاج للاصناف الزراعية! وفشلوا في تحديد سعر البيع على اساس كلفة الانتاج! وفشلوا في السيطرة وتنظيم سوق البيع في الاسواق المركزية! وفشلوا في حماية المستهلك الذي يشتري كيلو البندورة بنفس سعر ثمن صندوق البندورة سعة 12 كغم الذي يبيعه المزارع! وفشلوا ببناء مصانع لتصنيع المنتوجات الزراعية الفائضة حتى التي انشاتها سلطة وادي الاردن باعوها بابخس الاثمان!
امام هذا الكم من الفشل فالذي يجب ان يحاكم ويطارد كل المسؤولين الذين اوصلوا هذا القطاع الانتاجي الاستراتيجي الى هذا الانهيار والدمار لا ان يطارد اولئك الشرفاء الذين عملوا تحت لهيب الشمس الحارقة وسهروا ليالي البرد القارسة للعناية بانتاجهم! الغاء هيئتين او ثلاثة من الهيئات العاملة حاليًا تحت مسميات مختلفة وهي بمضمونها واهدافها كالهيئات والمؤسسات الزراعية التي اشرت اليها وتحويل مخصصاتها المالية لقطاع الزراعة كفيلة بانقاذ هذا القطاع وتحديثه وتطويره، أما آن الاوان أن يعين أحد ابناء هذا القطاع من الممتهنين للزراعة من المهندسين الزراعين ومنهم الخبراء الاقليميين والدوليين وزيراً للزراعة –أم أن الضابط المتقاعد أو المهندس المدني والطبيب والمحامي أكفأ من المهندس الزراعي المصنف خبيراً دولياً وبذات الوقت يعمل مزارعاً! أما آن الاوان ان يعاد تشكيل المجلس الزراعي الاعلى يمثل به الخبراء الزراعيين والخبراء في التخطيط والتسويق! ولكي لا يذهب ذهن القارئ بعيدًا؛ فكاتب المقال هو مهندس ميكانيك

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق