
كـمـشـة نـحـو وقـطّـومـة صرف
بينما كُنتُ أشكو من صُداعٍ شديد ظُـهـرَ الأمس حاولتُ أن أنعُمَ في مكتبي باستراحة المحارب بين محاضرتي البكالوريوس والماجستير! وبينما كُنتُ سارحاً في ملكوت الله مُستمعاً لمزمارٍ قرآني بصوت الشيخ ياسر القحطاني، أطَلّ عليَّ شخصٌ في خريف العقد الثالث من طلبة الدراسات العليا في أحَد الكُليات كما فهمتُ لاحقاً! تقدَّمَ نحو مكتبي بمشية غير مستقرّة و طَرَح السلام بطريقة براجماتية واضحة؛ فردَدتُ التحية بخيرٍ منها!
فبادرني دون مُـقـدّمات: “مُمكِن تحكيم؟”!!! فَقُلتُ: “ماذا تُريد يا أخي؟”!!! قال: “حكِّملي استبانة البحث هاي”! عندها تذكّرتُ “عقلية الخطاب في الحسبة وبكمات الخضرة”؛ وتخيّلتُ بالصوت والصورة شخصاً يقول لبائع الخضار: “بيش كيلو البيتنجان يا معلِّم”! ابتسمتُ قليلاً وقلتُ له بنفس المنطق ولكن بأدبٍ واحترام وبلهجتي الفلاحيّة قـصداً: “لا والله يا خوي ما بشتغل هالشغـلة”! فبَدّت ملامح الإستهجان على قَسّمات وجههِ؛ ورفَعَ عقيرته واستنكر قائلاً “إيـــــش!”؛ فَكَرَّرتُ له نفسَ العبارة “والله ما بشتغل هالشغـلة”! فحدَّقَ بي واستأنفَ السؤال: “طَـب مُمكِن ترجمة”؟ فقلتُ: “ترجمة إيـش”؟ فقال ببرود قاتل: “ترجمة عنوان مشروع البحث”! فأردَفتُ: “و كمان هاي الشغلة ما بشتغلها”!!! فلم يعجبهُ ردّي مرّةَ أخرى وأدار ظهره مُغاضِباً وهو يُتَمتم: “هي كُلها يعني شوية مُساعدة”! ولو كان يعلمُ في قرارة نفسه أنّه يقدِرُ على ضربي لكانَ قدْ فَعَل!!!
أحبابي، وأصحابي وأعزّائي الطلبة! هُناك أساليب كثيرة في لباقة السؤال والطلب والاستفسار والرجاء؛ وكُلّها من شعائر ديننا الحنيف في منظومة مكارم الأخلاق والمروءة! ولقد عَلّمنا قُرآننا وهديُ نبيّنا دُروساً عظيمة في حُسن الطلب والخطاب في مواضعَ كثيرة كقصَّة (إنَّ الذين يُنادونك من وراء الحُجرات أكثرهم لا يعقلون…) وقصّة الأعرابي في (اعْـدِلْ يَا مُحَمَّدُ)!
لا شكَّ أنّ هذه الحادثة ومثيلاتها من المشاهِد اليومية في الحرم الجامعي تعكِسُ الواقع الأكاديمي المتردي في بلدنا الحبيب وكيفَ باتَ الإبتذالُ لدى بعض الطلبة أو رُبَّما الكثير منهُم سِمَةً بارزةً في مُدخلاته وممارساته ومُخرجاته! أجَل الابتذال في طريقة السؤال؛ واللامُبالاة في طلب العلم والإسفاف في البحث عن النجاح الزائف والحصول على الدرجات!
والله إنّي أخشى ما أخشاه أن نَصِلَ قريباً إن لم يَكُن قد وصلَ البعضُ بالفعل إلى مرحلةٍ يتحَوَّلُ فيها الطلبة إلى طرح الأسئلة على أساتِذَتِهِم بمنطق شراء المكسّرات والحاجيات من “الأكشاك” و “الكلاتشيات” و “والقهاوي”؛ فنسمَع طالباً يقولُ لأستاذه: “بالله كمشة نـحـو… بالله قَطّومة صرف… بالله شوية دلالة… بالله رشّـة شعر حديث… بالله نتفة رواية سُكَّر خفيف” 🙂 واللهُ أعلَمُ وَأحْكَم!!!


