لغتنا الجميلة / د. هاشم غرايبه

لغتنا الجميلة

نشرت الحكومة في إحدى الصحف اليومية أربعة إعلانات ضخمة، في كل واحد تعلن أنها ترغب بتوظيف شخص لوظيفة مدير مؤسسة، وهي وظيفة قيادية، تعتقد الحكومة أنها بنشرها طلب التوظيف لشغلها، سيصدق الناس أنها متاحة لذوي الأهلية من عموم المواطنين، وأنها فعلا تبحث عن الكفاءات وليس كما متبع دائما، من أن الوظائف العليا هي ترضيات للذوات وتأليف للقلوب حول النظام، لذلك فلا أعتقد أن أحدا أعار هذه الإعلانات أي اهتمام إلا الموعودون بتلك المناصب.
ما علينا، فليس هنالك من يأمل في إصلاح الحال، لكن ما أثار غضبي فعلا، المتطلب المكرر في نهاية كل إعلان، وهو إجادة اللغة الإنجليزية بدرجة ممتازة، والقدرة على صياغة التقارير والمراسلات بالإنجليزية، وليس هنالك أية إشارة لإجادة اللغة العربية بتاتا.
هل الأردن جزء من الوطن العربي أم من الإتحاد الأوروبي أو الأمريكي؟، ترى لماذا تكون المراسلات والتقارير الرسمية باللغة الإنجليزية؟، ولماذا في الإجتماعات والندوات والدورات التي يحضرها ذوي الوظائف العليا، تكون اللغة المستخدمة هي الإنجليزية.
هل اللغة العربية قاصرة عن التعبير عن المراد؟ أم عن التعامل مع التقنيات الجديدة؟، أليست جميع برامج الحاسوب التي تستخدم الوسائط المتعددة باتت معربة.
هل يوجد بلد في العالم متقدم كان أم متخلف لا يستخدم لغته الأم في معاملاته الرسمية، فيشترط على موظفيه إجادة لغة أجنبية والتخاطب بها؟.
طبعا لا يُتوقع أن يكون من شروط الوظائف العليا إجادة اللغة العربية، لأن أبناء الذوات سيرسبون جميعا، فهم ومنذ الحضانة لا يتعلمون بالعربية، وبرامجهم التعليمية ومناهجهم التدريسية غربية، وشهاداتهم الجامعية من أمريكا، وفي البيت ومع أصدقائهم يتحدثون بالإنجليزية…فمن أين سيعرفون العربية!؟.
هكذا نصل الى استنتاج أن مشكلاتنا في الأمة العربية والتي أدت الى ما أصبحنا عليه في ذيل الأمم، يمكن اختصارها بسبب واحد، وهو التغريب، فقد التزمت كل أنظمة سايكس بيكو بالسعي لفصلنا عن ثقافتنا وهويتنا الإسلامية، وإلحاقنا بالغرب تبعية وانقيادا، وليس بهدف التطور والتقدم.
لذلك فمن واجب المهتمين بإفشال هذا المسعى الخبيث، والواعين لخطورته، الوقوف بوجهه، والعمل الدؤوب لتقوية ارتباطنا بهويتنا وعلى رأسها تمكين أجيالنا القادمة من اللغة العربية وغرس محبتها في عقولهم، وهي جديرة بذلك.
وسأورد مثلا على مدى بلاغة وقوة هذه اللغة، وهو وفرة الألفاظ التي تعطي معاني دقيقة متباينة لكل فعل، فلا يحار المرء في الفهم، ولا تختلط عليه المعاني.
ففي معنى الصداقة فقط، أحصيت أربعة عشر مفردة لبيان تدرجاتها، غاية في البيان والدقة، ولا تحويها أية لغة أخرى، وهي:
1 – المعرفة: هو من بينك وبينه أدنى درجة من العلاقة، تعرفه ويعرفك بالإسم.
2 – التِرب: هو الشخص الذي هو من نفس العمر.
3 – الزميل: الذي تكون معرفتك به نتيجة للمخالطة بالعمل أو الدراسة أو المهنة المشتركة.
4 – الجليس: الذي يقاربك ثقافة واهتمامات فتجلس معه احيانا.
5 – السمير: الذي تنسجم معه فتسهر معه تتجاذب معه الحديث.
6 – النديم: هو السمير في جلسات الشرب (أعاذنا الله منها).
7 – الصاحب: هو من تصطحبه حين خروجك.
8 – الرفيق: هو من يشاركك الترحال ويلازمك حين السفر.
9 – الصديق: هو الشخص القريب منك فيفرح لفرحك ويحزن لألمك.
10 – الخليل: هو الصديق المقرب وتهفو نفسك للقياه.
11 – الأنيس: هو من مجالسته تجلب لك السعادة.
12 – النجي: هو الصديق الذي تثق به فتبثه اسرارك ولواعجك.
13 – الصفي : هو افضل صديق بين كل الأصدقاء.
14 – القرين وهو أعلى درجة من درجات الصداقة لأنه الصنو، تتلازمان دائما ولا تطيقان الإفتراق.
والملاحظ أن عدد معارفك كثر في أول درجة، وكلما ارتقت العلاقة درجة يتناقصون، وبعد الدرجة العاشرة هم ندرة.
هذه واحدة من آلاف الدرر البلاغية التي تحفل بها العربية…فأين تجد ذلك في لغة أخرى؟
ليتعلم المرء لغات كثيرة فهي تنفعه، لكن من كانت لغته عربية ويتركها الى أخرى فهو كالذي يحمل أسفارا لا يقرؤها.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق