لا تلوموا بشار الأسد! / د . فيصل القاسم

لا تلوموا بشار الأسد!
كثيرون يتهمون النظام السوري بأنه كان يربي الجهاديين والإسلاميين المتطرفين في سجونه منذ عشرات السنين كي يستخدمهم في الوقت المناسب لمصلحته الخاصة إذا تعرض للخطر. ويؤكد ذلك باحثون مقربون من النظام في جلساتهم الخاصة. ويذكر أحد أعتى العلمانيين السوريين في حديث خاص أنه كان يحذر القيادة السورية دائماً من خطر التحالف مع الإسلاميين المتطرفين. ويقول الباحث الذي نتحفظ على اسمه الآن إنه كان يقول لأحد كبار ضباط الأمن السوريين إن احتضانكم للإسلاميين المتطرفين في سجونكم كمن يؤوي ضبعاً في بيته. لا شك أن الضبع سيفترس صاحب البيت طال الزمن أو قصر على طريقة مجيّر أم عامر. ويشتكي علمانيون سوريون كثيرون من أن النظام بدل أن يلتفت إليهم، ويتحالف معهم، كان يولي الإسلاميين أهمية واهتماماً أكبر بكثير من العلمانيين التنويريين. وكانوا دائماً يتساءلون: كيف لهذا النظام الذي يرفع شعار العلمانية والحكم المدني، وفي الوقت نفسه يرعى الإسلاميين المتطرفين، ويعاملهم معاملة حسنة جداً في سجونه ومعتقلاته على عكس المساجين الآخرين. وقد وصف أحد السجناء السوريين السجون التي كان يضع فيها النظام المتطرفين الإسلاميين بأنها فنادق خمس نجوم مقارنة بالسجون التي يضع فيها بقية الفئات.

ويذكر أحد الخبراء السوريين الذين كانوا يترددون على فروع المخابرات السورية في دمشق وحلب أنه كان يرى بأم عينه عمليات تدريب الإرهابيين والتكفيريين والمتطرفين في السجون السورية. ويضيف بأنه شاهد ذات يوم عناصر من المخابرات السورية وهم يجلبون صناديق مليئة بالكتب إلى أحد “السجون الفنادق” التي يقيم فيها المتطرفون. وكانوا يقولون للمتطرفين إن هذه الكتب ممنوعة في سوريا، وقد صادرناها من بعض المكتبات، وسنتركها لكم هنا كي تتسلوا بها. وكانت تلك الكتب كلها لكتاب متطرفين تكفيريين من الطراز الأول. وكان نزلاء السجن من المتطرفين يلتهمون تلك الكتب من الجلدة إلى الجلدة. وبعد أن يقرأوها يبدأون بتكفير بعضهم البعض، مع العلم أنهم ذوو خلفية مذهبية واحدة. وقد لاحظنا كيف أطلق نظام المخابرات مئات المتطرفين والتكفيريين من سجونه في بداية الثورة كي يحرفوا الثورة عن مسارها، وكي يصورها في أعين السوريين والعالم بأنها ثورة إرهابيين وتكفيريين، وليست ثورة شعب.

ولو صدقنا أن النظام كان فعلاً يربي المتطرفين في سجونه ليخوف بهم الداخل والخارج إذا تعرض لثورة شعبية كي يجعل الشعب يلتف حوله، ويدفع الخارج لمساعدته في التصدي للمتطرفين عندما يرى تصرفاتهم الرهيبة، لو صدقنا ذلك: هل كانت القوى الكبرى غافلة عما يفعله؟ هل مرت ألاعيب النظام ومتاجرته بالمتطرفين الإسلاميين مرور الكرام على أجهزة الاستخبارات الأمريكية والغربية التي تراقب دبيب النمل وكل الألاعيب السياسية في منطقتنا؟ هل فعلاً أن النظام خدع الجميع، وترك ورقة الإسلاميين حتى المرحلة الأخيرة حتى يبتز بها الشعب والعالم الخارجي، ونجح في ذلك نجاحاً باهراً؟
لا نعتقد أن النظام نجح في استغلال ورقة المتطرفين رغماً عن أنف القوى الكبرى. على العكس من ذلك تماماً. فلو لم تكن القوى الكبرى وحتى خصوم النظام من القوى العربية والإقليمية راضين عن استغلال ورقة الإسلاميين المتطرفين ضد الثورة لما نجح النظام أبداً في توظيفها ببراعة.

سنسأل الذين يتهمون النظام السوري بحرف الثورة السورية عن مسارها من خلال تحويلها إلى ثورة إسلامية متطرفة لتشويهها وتخويف الداخل والخارج منها، سنسألهم السؤال التالي: ماذا عن الجهات الخارجية التي أرسلت جماعات إسلامية متطرفة للقتال في سوريا؟ أليست شريكة في حرف الثورة عن مسارها وتجريدها من ثوبها المدني؟ أليس النظام وحتى خصومه المزعومون في الخارج متفقين على حرف الثورة عن مسارها وشيطنتها إسلامياً كي تفشل؟ أليس النظام السوري وحتى إسرائيل وإيران وأمريكا والعرب كانوا على قلب رجل واحد في اختراع واختراق الثورة بالمتطرفين لإفشال الثورة السورية وإلصاق تهمة الإسلام الراديكالي المتطرف بها؟. أليست هذه قصة الثورة السورية باختصار؟.

ويتساءل المعلق فؤاد مهاني من المغرب قائلاً: “وهل أمريكا لا تعرف خبث النظام السوري في شيطنة الثورة السورية؟ ألا تعلم أن ثورة سوريا ثورة نقية، ولكن مصالحها حتمت عليها التواطؤ مع الأسد لانعدام بديل لهذا النظام الحريص على أمن إسرائيل؟ لماذا أقدمت أمريكا وحلفاؤها على مساندة ثوار ليبيا رغم استماتة القذافي في شيطنة هذه الثورة إلى درجة استنجاده بإسرائيل أو إسراطين كما كان ينظر لها لكي تنقذه من مخالب الثوار الليبيين؟ إن أمريكا عندما ترى نظاماً يعرقل مصالحها، أو انتهت مهمته، فإنها كانت تتخلى عنه، وتتركه لمصيره، كما وقع مع شاه إيران، أو تستأصله كما فعلت بنظام صدام بدريعة امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل الكذبة الكبرى التي دمرت العراق أرضاً وشعباً وحرثاً ونسلاً. إن النظام السوري لم ينجح في خلط الأوراق، كما يدعي البعض، إلا لأن أمريكا والغرب وبعض العرب أرادوا بقائه لمصالحهم.”

لهذا نقول: لا تبالغوا في تضخيم عبقرية النظام السوري، ولا تلوموه وحده فقط على تخريب الثورة السورية وحرفها عن مسارها عن طريق المتطرفين الإسلاميين، بل لوموا بالدرجة الأولى الذين ساعدوه في شحن المتطرفين إلى سوريا، وكان لهم مصلحة في إغراق الثورة بالتطرف خدمة لمصالحهم قبل مصالح النظام.

بربكم: من له مصلحة بنجاح الثورة السورية؟ لا تقولوا لي أمريكا أو إسرائيل أو روسيا أو حتى العرب والدول الإقليمية. لقد تحالف الجميع لإغراقها بالتطرف والمتطرفين كي تكون عبرة لمن يعتبر. وبذلك ضربوا عصفورين بحجر واحد: دمروا الثورة، وشيطنوا الجماعات الإسلامية، وجعلوا الشعوب تفكر من الآن فصاعداً ألف مرة قبل أن تصفق لأي فصيل إسلامي.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق