” كونوا مع الصادقين”

” كونوا مع الصادقين”

مهند أبو فلاح

يقول رب العزة و الجلال في محكم تنزيله العربي المجيد ” يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و كونوا مع الصادقين ” الآية 119 – سورة التوبة

ثلاثة عقود و نصف انقضت على رحيل أحد أبرز أعمدة الفكر القومي العربي في تاريخنا المعاصر في الثالث والعشرين من حزيران / يونيو من العام 1989 الا و هو مؤسس حزب البعث الاستاذ أحمد ميشيل عفلق في العاصمة الفرنسية باريس و الذي أعلنت السلطات العراقية في حينه أنه قد مات على الإسلام بعد حياة حافلة بالاحداث الدراماتيكية .

جاء رحيل عفلق عن هذه الدنيا الزائلة الفانية بعد مشوار طويل من الكفاح و النضال المرير في سبيل وحدة الأمة العربية و حريتها رغم كل العراقيل و العقبات التي وضعت في طريقه ، و ما تعرض له من حملات تشويه شيطانية للنيل منه شخصيا و هو ما عبر عنه صراحة في أكثر من مناسبة حيث قال في تموز يوليو من العام 1970 ” إن المؤامرة التاريخية على حزب البعث ……………. ، كان من أوضح تعبيراتها ومظاهرها التحامل على شخصي و المستهدف هو الحزب وليس الشخص، ولكن في حساب الاستعمار والقوى المتآمرة أن تحطيم الشخص يوصل إلى تحطيم الحزب أو إنزال الأذى الكبير به “

لم تتوقف حملات الطعن بحق هذا الرجل العربي النبيل الاصيل حتى بعد وفاته و رحيله عن عالمنا و التي تمحورت حول وصفه و نعته بالصليبي الحاقد تارةً و التشكيك في اعتناقه الاسلام تارةً أخرى ، لكن شمس الحقيقة لا تغطى و لا تحجب بغربال مهما طال عليها الأمد و الزمن ، لا سيما عندما يتعلق الأمر بمصداقية رجل ربط العروبة بالإسلام ربطا عضويا وثيقا منذ كلمته التي ألقاها في جامعة دمشق سنة 1943 حينما قال بالحرف الواحد جهاراً نهارا في ذكرى المولد النبوي الشريف ” العروبة جسدٌ روحه الإسلام ” ، بل لقد اماط عفلق اللثام في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي عن دور الاسلام في تأسيس حزب البعث حيث قال في حديث لمجلة آفاق عربية، بتاريخ الاول من نيسان / ابريل من العام 1976 ” قراءة جديدة للإسلام كشفت لنا عن حقائق أساسية في روح شعبنا ونفسيته وأضاءت لنا طريق العمل الثوري وثمة واقع ذاتي جاء في الوقت نفسه تعبيرًا عن واقع موضوعي.. الواقع الذاتي هو أنني شخصيًا، في بداية تكوين الحزب، اكتشفت الإسلام. أقول اكتشفت ولا أعني أنني لم أكن أعرف الإسلام -فقد كانت هناك ألفة منذ الصغر- اكتشفت الإسلام كثورة.. كتجربة ثورية هائلة، وقرأته قراءة جديدة من هذا المنظار.. في أنه: عقيدة، ونضال في سبيلها.. وقضية هي قضية أمة، وقضية إنسانية. بل إنه قضية أمة بتصور إنساني أوسع.. ونضال على أروع ما يكون بأعلى مراحله وبما فيه من تنظيم دقيق وتثقيف، إلا أنه أيضًا دين، فهو تجربة ثورية، السماء فيها متداخلة بالأرض “

ثم يجيب الاستاذ عفلق على السؤال التالي قائلا : – ” ● لماذا اختط حزب البعث طريقا خاصا به ؟ هذا أمر لم نتحدث فيه، لأننا لا نريد الدّعاية.. ولكن بعد أكثر من ثلاثين سنة من نشوء الحزب علينا ان نذكر ذلك ونقول: ان الفضل في ذلك يرجع الى اكتشافنا الاسلام ، ان المسلم لا يكتشف الاسلام.. وكذلك البعيد عن الاسلام، الذي يكتشف ينبغي ان يجمع بين الاستعداد النفسي وبين الجدة.. أي ذلك الذي لم تُضعِف العادة والألفة حساسية عينيه وأذنيه “

الرؤية الثورية للإسلام عبر عنها الاستاذ عفلق صراحةً في معرض محاضرة له حملت عنوان نظرتنا إلى الدين في غرة آذار / مارس من العام 1956 حيث قال ” هل يفكر الشباب ان الإسلام عند ظهوره هو حركة ثورية، ثائرة على أشياء كانت موجودة: معتقدات وتقاليد.. ومصالح؟.. وبالتالي هل يفكرون بأنه لا يفهم الإسلام حق الفهم الا الثوريون؟ “

إن المعطيات السابقة التي أوردناها في هذا السياق تؤكد حقيقة لا مناص من الإقرار بها و هي أن اعتناق الاستاذ عفلق للإسلام كان محصلةً طبيعية منطقية لمحبته العميقة لهذا الدين القيم و ثمرة لدراسة علمية منهجية و هذا ما يؤكده قياديين بارزين في حزب البعث أما الأول فهو الراحل منصور سلطان الاطرش العضو االاسبق للقيادة القومية للحزب في مقالةً له حملت عنوان ( خواطر حول إسلام ميشيل عفلق ) كتبها في العام 19910 في دمشق و أوردتها ابنة الاستاذ الاطرش في كتابه المعنون ب ( الإصلاح في سوريا و مقالات أخرى ) حيث يقول فيه ” أسلم ميشيل عفلق ، لم يدهش النبأ أحدا من مقربيه ، فميشيل عفلق يعشق الاسلام في قرارة نفسه و يعيشه في أفكاره ، و لا يترك فرصة تمر لا يتحدث فيها عن النبي محمد – صلى الله عليه و سلم – و عبقريته و رسالته ، و عن الصلة العضوية بين العروبة و الإسلام ” .

المصدر الثاني في هذا المجال هو الاستاذ المحامي فايز قزي عضو قيادة قطر لبنان الأسبق في حزب البعث العربي الإشتراكي في كتابه المعنون ب ( من ميشال عفلق إلى ميشال عون / تجارب في علاقة مستحيلة ) حيث يورد مقالة في مقدمة الطبعة الثانية المزيدة و المنقحة من هذا الكتاب نقلا عن مقالة لكاتب و فيلسوف لبناني يدعى انطوان نجم في مجلة ” المسيرة ” نشرت بتاريخ 19/5/2003 في مجلة المسيرة تحت عنوان ( كتاب مفتوح من انطوان نجم الى المحامي فايز قزي ) حيث يروي نجم شهادته قائلا ” التقيت الاستاذ ميشال عفلق ، مؤسس حزب البعث العربي ، في منزل لآل الادهمي في محلة ابو سمرا – طرابلس – سمعته يتكلم على أمور ………. ، لأن الإسلام دين 95% على الأقل من سكان ما بين المحيط و الخليج و تزداد النسبة مع النمو الديموغرافي ، و هو دين يشكل وحدة موحدة متراصة روحيا و دنيويا ، و ستحكم الشريعة الإسلامية هذه الدولة سواءً إقامتها العروبة أم أقامها تيار آخر ….. ” .

اخيرا و ليس ءاخرا يبدو أن الاستاذ عفلق رحمه الله تعالى كان متأثرا إلى حد بعيد بشخصية ملك الحبشة النجاشي الذي اعتنق الاسلام سرا و صلى عليه رسول الله صلاة الغائب و نزل فيه قول الحق جل جلاله في علاه ” وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنـزل إليكم وما أنـزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب ” الآية 199- سورة آل عمران

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى