” كورونا … ايجابي “

” كورونا … ايجابي ”
د. محمد شواقفة

لربما هذا الامر الوحيد الذي لا يرغب الناس في سماع كلمة ايجابي مرتبطة به …لكنه فرض نفسه على حياتنا دونما استئذان و زاد الطين بللا. و باتت الحياة اليومية خليطا مشوها من عادات مفروضة و تقاليد موروثة مع كثير من التعديلات و التي باتت تحدث على عجل و احيانا كثيرة دونما تفسير .

هذا المخلوق الانتهازي استغل الجنس البشري وألزمهم بيوتهم في حالة من الهلع و الترقب … في عزلة طوعية و ربما اجبارية للكثيرين … نخاف أن يلمسنا أحد و نخشى حد الرعب أي عطسة أو كحة و لو كانت حساسية ربيع أو أثر دخان ردئ … يلتزم الجميع في محاجرهم و لفترة يبدو أنها ستطول. يطل علينا منظرون لم نكن نعرفهم بوصفهم خبراء و علماء و يأمروننا ترغيبا و ترهيبا بأن نلتزم البيوت ففي التباعد شفاء و لا نملك ان نناقشهم او نخالفهم. الكل يتجنب الكل … وكأنها وصف ليوم القيامة يفر المرء من أهله و ذويه و زوجته و بنيه و عشيرته التي كانت تؤويه . و أصبح الشعار ” الله يبعدك و يسعدك “.

لكن ما قصدت بالايجابي أن كورونا قربنا من بعض أكثر و لا اقصد هنا الكل حرفيا .. فقد أعاد الرجال للبيوت و في أماكن لم يعرفوها من قبل مثل المطابخ و خصوصا ان الحجر تزامن مع شهر الخير و في تجارب لا يكترث أحدا إن كانت حقيقية أو مختلقة و لكنها باتت اعتيادية و احتلت صور الرجال مع الاطباق المختلفة مواقع التواصل عدا عن بعض النشاطات غير الاعتيادية مثل الجلي و التنظيف و ربما متابعة المسلسلات التافهة.

و أيضا تزامن الحجر و الحظر و العزل مع التعليم الالكتروني عن بعد رغم عدم اخذ الامر بجدية سواء من الاهالي أو من الطلاب منح الاهالي دورا غير اعتيادي ليكونوا جزءا من عملية تعليم الابناء … و قد سيطرت كثير من المظاهر التي شاركت هذه التجارب الفريدة على جزء مهم من وسائل التواصل. و قد انتشرت مجموعات – للاهالي – تتشارك كيف تتعامل مع التعليم عن بعد في حالة طريفة و نادرة.

لربما أصبحت تجربة الحجر فرصة ذهبية لممارسة التعايش في ظل ضيق المساحة و انحسار الموارد و احترام الرأي الآخر … و اصبح النموذج الاشتراكي هو الانجح في اختيار برامج التلفزيون أو الالتزام بقواعد الاكل و النوم و بات الجميع يقدم تنازلات لم تكن تحدث من قبل . فلا يوجد مجال للخلافات العميقة و صعب جدا ان تعلو وتيرة اي نقاش في وجود الجميع و لا بد من اختصار اي اختلاف في وجهات النظر لان وقت الالتقاء طويل جدا.

ربما أن العلاقات الاجتماعية تقريبا انهارت لدرجة العدم و لكنها لربما أنقذت بعض الخاطبين من اختصار فترة الفراغ و التحول للزواج بشروط مخففه و بتكاليف كان من المستحيل تجنبها فلا اعراس ولا تجمعات و لا صالات … و بالطبع لن يكون هناك عسلا ولا غيره ! … مع انها برأيي قد تكون فترة مثالية بممارسة الحب العذري عن بعد و باستخدام التقنية اونلاين … و اتوقع ان تظهر مواهب شعرية و ادبية و ربما فنية من مظاهر الحب و العاطفة الكلاسيكية … كمثل الحب في زمن الكورونا.

و رغم ان رمضان بسبب كورونا كان منزوع النكهة دون صلاة و مساجد و لكن وجد كثير من الناس متسعا لاكتشاف جانبهم الروحي الذي كان مغيبا او غائبا. فمظاهر صلاة التراويح البيتية طغت على مشاهد الاسواق و محلات القطائف و الحلويات … و مارس الكثيرون تجربة اطلاق اللحية لينسجم الشكل مع دور الامام الذي بات يمارسه كثير من الاباء بشكل يومي. و قد اعجبني ان بعض العائلات استثمرت في هذا الرجوع للدين و القرآن و بجرعة مكثفة لتعميق هذه المفاهيم في ختم القرآن و التنافس في حفظ أجزاء كثيرة منه.

و لربما آخر المظاهر هو أن الناس باتت أكثر وعيا و ثقافة بالشأن الطبي و تستطيع تمييز الخبيث من الطيب … و لربما فاجأني كثرة من تعرفنا عليهم بوصفهم خبراء أو أصحاب رأي في الشأن الطبي و الصحي … رغم كثير من المحاذير لكنني وجدت نفسي أتابع ما يقوله الناس بدلا من إجابة الاسئلة كما كنا نتوقع … بل و أصبحت أتابع ما يتداوله الآخرين على رأي ” بركة يا جامع ” .

و هناك كان مستفيد أكبر من أزمة الكورونا …. و هو …. بعدين ..بعدين …بعدين معك ….خلليك ايجابي …

اللهم إني صائم …

” دبوس عالايجابية ”

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق