كلام غير عذري في “الكرسي” وسحره وفي طينة بعض الجالسين عليه

كلام غير عذري في “الكرسي” وسحره وفي طينة بعض الجالسين عليه.
د.عبدالحكيم الحسبان

بخلاف الوطن وبخلاف إلام اللذين لا يستحقان منا إلا أجمل كلام الحب العذري، فلا يليق بالكرسي في بلادي سوى الكلام الاباحي بعد أن أخذه البعض بل واختطفه ليذهب به إلى وحل أكثر الاماكن وحشة ووحشية وبدائية وغرائزية.
في بلاد الغرب الذي درسنا فيه، قد يتشارك الجلوس عليك حزبيون لأنهم وقبل أن يتشاركوا الجلوس عليك سبق لهم وان تشاركوا وعلى مدى سنين طويلة برنامجا حزبيا هو بمثابة الخطة والحلم لإدارة شؤون الدولة والمجتمع. في هذه البلاد من يتشاركون الجلوس على الكرسي عاشوا تجربة تشارك الفكرة والحلم وتقاسمهما قبل أن يتشاركوا الجلوس على الكرسي ليديروا الحكم والوزارة.
وفي هذه البلاد يتشارك الناس مظاهرة أو اعتصاما لأنهم يتشاركون هما مشتركا يودون التعبير عنه دعما أو معارضة. تشارك الفكرة هو من يجمع من تجمعوا. وفي هذه البلاد أيضا يتشارك كراسي إدارة الجامعة من يتشاركون قيم العلم النبيلة، ومن يتشاركون نفس المستوى العلمي والتأهيل والكفاءة وتشاركوا ثقة مجلس أمناء الجامعة أو ثقة أعضاء هيئة التدريس في الجامعة وحيث الانتخابات هي الشرط لشغل مقعد رئيس الجامعة، فجلسوا على الكراسي. وقد يصل جمع من الأشخاص ليشغلوا كراسي مجلس إدارة شركة ما، لأنهم وببساطة يتشاركون ويلتقون على برنامج أو خطة مشتركة لإدارة الشركة لسنين قادمة.
في بلاد الغرب القاعدة تقول -وان كان لكل قاعدة استثناء- أن الفكرة أو الحلم أو الكفاءة أو الخبرة أو الايديولوجيا هي التي توحد وهي التي تربط جمع من الناس ببعضهم البعض، فتشارك الجلوس على الكراسي هو نتيجة وليس سببا أو علة. واما في بلادي فالكرسي هو السبب وهو العلة وهوالمبتدأ أيضا وهو المبتغى والمنتهى أيضا.
في بلادي تملك أيها الكرسي قدرة لا تملكها الاخلاق ولا العلم ولا الدين ولا الضمير. لا يختار الناس من يجتمعون معم ويلتقون بهم لانهم يتشاركون معهم نفس المنظومة الاخلاقية، كما لم يعد العلم مصدرا للتشارك ولم الشمل والاجتماع والالتقاء والتعصب والتحزب، ولم يعد الفهم المشترك للدين ينتج حشودا والتقاءا للنخب والجماهير. فقط الكرسي هو من يملك القدرة على الجمع والحشد والالتقاء.
في الطاولة المستديرة او “البيضاوية” فلتنظر في السيرة الذاتية لكل واحد من الجالسين عليها. حول الطاولة وعلى الكرسي يجلس عميد للشريعة وعلى كرسي مجاور يجلس “حليف” له يتغزل علنا وعلى صفحات الفيس البوك ب”جرار العرق الصافي”، لا مشكلة البتة لدى عميد الشريعة، فالدين هو مجرد تفصيل، ولا مشكلة البتة لدى حليفه ابي النواس، تشارك الكرسي هو الجوهري، واما الاختلاف في الدين فهو مجرد تفصيل صغير.
وحول نفس الطاولة يجلس “الفاشخ” المحافظ والتقليدي والعشائري والى جانبه “المفشوخ” الثاثر اليساري الماركسي. وعلى نفس الطاولة يجمع الكرسي نائبا للرئيس مع من مارس “رياضة” محاربة فساد الرئيس ونائبه المتغول لأكثر من عامين، فقاد اعتصاما بصفته حراكيا، ليلتقي الحراكي مع نائب الرئيس حينها فيتبادلان من الألفاظ أقذعها وأكثرها فجورا وإباحية على درج رئاسة الجامعة، وبما لا يليق مطلقا باسم الجامعة وتاريخها ونبالة هدفها ونبالة الثوب الجامعي الذي يرتديه أعضاؤها. فتجري الأيام لتقول لنا المعلومات الموثوقة أن “الحراكي الثائر” و”نائب الرئيس” المتهم من “الحراكي” بالفساد باتا حليفين، وبات كل منهما يقرض الشعر غزلا في أخلاق وصفات الآخر.
في بلادي، لم يعد الوطن هو الذي يجمع، ولم يعد الدين هو الذي يوحد، ولم تعد الأخلاق هي التي تلم الشمل، كما لم يعد الضمير هو الذي يمنع الفرقة والافتراق، فقط الكرسي هو من يملك القدرة السحرية على الجمع والتوحيد والالتقاء. ففي رحلة الوصول إلى الكرسي بتنا نتهم اشرف الناس بأعراضهم وشرفهم لا لشيء بل لاننا نود الكرسي الذي يجلسون عليه هم، ولم نجلس نحن عليه بعد. وفي رحلة الوصول للكرسي بتنا نتخلى حتى عن ورقة التين التي تستر عوارتنا، ومن اجل الوصول للكرسي باتت منظومة قيمنا وأخلاقنا في قمة المرونة بل والميوعة، وهي ليست ثابتة حتى ليوم واحد فقط وهي قابلة للتغير الدائم. ومن اجل الكرسي بتنا على استعداد لنتخلى بل ولنطعن رفاقا للدرب لنا منذ اكثر من عشرين عاما، ومن أجل الكرسي بتنا نتحالف ونلتقي مع شياطين الأرض وأبالستها. فقط الكرسي هو من يملك القدرة على الجمع واللم والافتراق. ولان حب الكرسي هو الذي يجمع معظم من يجلسون عليه، فهم لا يمكن إن يكونوا فريقا قائدا أو قوة طليعية قائدة بل سيكونون في معظم الأحيان أشبه ب”العصبة” التي لا يمكن أن تعمل من اجل الوطن والمجتمع، بل تعمل دائما من اجل مصالح العصبة فقط.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق