كلام الوزير / ماهر أبو طير

كلام الوزير

مفارقة كبرى أن تكون قيمة حوالات الأردنيين، من مغترباتهم قريبة في قيمتها من قيمة حوالات العمالة العربية والأجنبية في الأردن، حيث يحول الأردنيون سنويا، ملياري دينار تقريبا، ويحول العمال العرب والأجانب المبلغ ذاته تقريبا، مع فروقات بين عام وآخر.
عدد الأردنيين المغتربين في الخارج، يصل إلى أطراف المليون، أغلبهم في دول الخليج العربي، والولايات المتحدة، وكندا، وأوروبا، ودول عربية، وهؤلاء جميعا، ممن أنفقت عليهم عائلاتهم مبالغ عالية من أجل تعليمهم، إضافة إلى خبرات أغلبهم، أي أننا نخسر بسبب خروج كل شخص من هؤلاء، فهو ليس مجرد شخص عادي، بل مؤهل وصاحب خبرة، يتم الاستثمار فيه، طوال سنين طويلة ولا يجد من حل سوى الهجرة نهاية المطاف.
وزير العمل الحالي، يقول إن الأردن يصدر عمالة ماهرة، ويستورد عمالة غير ماهرة، وقد قيل هذا الكلام مرارا، ولم يؤد إلى أي معالجات، خصوصا، على صعيد إغراق الأردن بالعمالة العربية والأجنبية، فوق طاقته واحتياجاته، وعدد كبير من المليون عامل مقيم في الأردن، تقريبا، بلا إقامات رسمية، ولا يدفعون أي رسوم، او كلف جراء تواجدهم في الأردن، فنحن أمام أزمة مزمنة، عابرة لكل الحكومات، التي شهدناها.
غير أننا اليوم، لسنا أمام مقارنة، بين عمالة ماهرة وغير ماهرة، أو بين قيمة الحوالات الواردة من الأردنيين، أو الصادرة من العرب والأجانب، إذ إننا أمام الاختلال الأكبر المتعلق بثلاثة جوانب، أولها الطريقة التي تم عبرها السماح بدخول كل هذه الأعداد، ومن عشرات الجنسيات دون رقابة سابقا، ودون متابعة لاحقا، وثانيهما يتعلق بفشل وزارة العمل في الأردن، على مدى السنين الفائتة، في ملف إحلال العمالة الأردنية، مكان العربية والأجنبية، بسبب اعتبارات كثيرة، من بينها طبيعة العمل الشاق الذي يعمل به العرب والأجانب، ويتجنبه الأردنيون، وثالثها ان أي غلاء يستجد على العمالة العربية والأجنبية، بسبب الرسوم أو كلف العيش في الأردن، يقوم العمال بتعويضه عبر رفع أسعار خدماتهم من جيب الأردني، وهذا يعني أن الكلفة النهائية على المواطن الأردني، وليس العربي أو الأجنبي.
نحن لسنا بحاجة إلى حرف النقاشات مجددا، عبر التحريض على هذه العمالة العربية والأجنبية، التي كان لها أثر واضح في العمل في الأردن، ولا يراد اليوم شن حملات عنصرية ضدهم، وكأنهم دخلوا تسللا عبر البر أو البحر، لكن المقصود هنا أن معالجة اختلالات هذا الملف ستؤدي إلى نتائج إيجابية، حتى لو احتاجت إلى وقت، عبر مسربين أولهما التخفيف من أعداد العمال، وضغطهم على البنى الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، خصوصا أن بينهم عشرات الآلاف ممن يجلسون، أحيانا، لفترات بلا عمل، لكنهم يفضلون البقاء في الأردن، وثانيهما بدء برامج لتدريب العمالة الأردنية، والوصول إلى حل جذري وفاعل مع من يشغلون العرب والأجانب على حساب أبناء البلد، دون أن يكون الأمر هنا، دلالة على التعصب أو كراهية الآخرين، أو الإساءة لهم، بأي طريقة كانت.
من السطحية بمكان تصوير الأردني بكونه يرفض العمل، وعلينا أن ننتبه إلى أن سقف الأجور منخفض، وبرغم ذلك تجد عشرات آلاف الأردنيين يعملون برواتب منخفضة للغاية، وهذا يعني أن كثرة اتهام الأردني بالتكبر على الوظيفة، السهلة أو الشاقة، قد لا يكون دقيقا، ويبدو مطلوبا من وزارة العمل ، التوقف عن تشخيص المشكلة، فقد تم تشخيصها عشرات المرات، ولا بد من إخلاء الأردن من أعداد كبيرة من العمال، من أجل تحريك السوق قليلا، خصوصا، في المهن التي يتمكن الأردني من العمل فيها، بدلا من المعالجات الموسمية، والمتقطعة، والتي تتراجع تحت وطأة التدخل السياسي، وهذا الإخلاء هو المدخل لحل هذه الأزمة، وبدونه لا يمكن أن نرى أي تغيرات.
تكفيكم جولة في وسط البلد، لتكتشفوا أن الأردن بات مقرا من مقرات الأمم المتحدة، إذ تجدون جنسيات عربية وأفريقية وآسيوية ومن كل الملل، تعمل سرا وعلنا، وهي حالة ممتدة إلى مواقع مختلفة في الأردن، وقد لا نقسو بسبب عواطفنا على كل هؤلاء، كون ديارهم تعاني من ظروف سيئة، لكن بالتأكيد لا يمكن احتمال هذا الاختلال، ولا مواصلة التفرج عليه، تحت مبررات وعناوين مختلفة، وقد آن الأوان أن تتم معالجة هذا الملف.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى