كراكيب نفسية..

مقال الخميس 12-5-2016
النص الأصلي
كراكيب نفسية..

في هولندا حيث تبدو الدولة كلها كشجرة برتقال مثقلة بقناديل الفاكهة ،تحتفل المؤسسات الرسمية والطبقة الغنية والأرستقراطيون كل على طريقته بعيد ميلاد الملك في الأسبوع الأخير من نيسان، ويعلق المحتفلون ما يشتهون من زينة على نوافذهم و فوق حوانيتهم و أمام بيوتهم …لكن برغم ما يشكل هذا اليوم الربيعي علامة فارقة في حياة الهولنديين ، الا أنه يعتبر علامة فارقة أكثر عند الفقراء والطبقة المتوسطة من المواطنين والمقيمين حيث يستغلّون العطلة الرسمية بالتخلص من “كراكيبهم” البيتية المستعملة وعديمة الفائدة ،مستفيدين في نفس الوقت من الإعفاءات الضريبية وتكاليف حجز الأماكن العامة في هذا اليوم التاريخي..وهنا تكمن المفارقة الحقيقية؛ “اللي فوق” يحتفلون بذكرى ميلاد الملك…و”اللي تحت” يستغلون المناسبة لبيع “كراكيبهم” وأغراضهم المستعملة وأدواتهم المنزلية مستفيدين من مجّانية الأرصفة والحدائق وحجز الأسواق الشعبية…”اللي فوق” يثمّنون المرحلة السابقة بمزيد من الفخر …و”اللي تحت” يبيعون كل ما يتعلّق بالمرحلة السابقة بمزيد من الفقر…
في هذه المناسبة العزيزة يجد الفقراء الفرصة مواتية للتخلص من “الكراكيش”..العاب أطفال، كراسي قديمة، ملابس انتهى زمنها، أدوات كهربائية تكلفة إصلاحها أغلى من ثمن اقتنائها، أحذية ضيّقة ، معاطف شتوية بأزرار واسعة ، مكانس كهربائية معطّلة..البيع يتم بعد مفاصلة قصيرة ، أي مبلغ من أي قطعة “مكروهة” من مقتنيها القديم تعتبر مكسباً إضافيا لم يكن ليحصل عليه “مقتنيها الجديد” لولا “بركات” هذه المناسبة الوطنية، ومع غروب شمس الميلاد يكون فقراء هولندا قد جنوا “يوروهات” معدودة مقابل تخلصّهم من عبء “كراكيبهم” الثقيل، بالجانب الآخر يكون فقراء هولندا الباقين..قد اقتنوا بعض “حاجياتهم” ولو بنصف عمرها “بيوروهات” قليلة ما كانوا ليقتنوها من متاجر الماركات والعلامات التجارية.
في هولندا وفي العالم اجمع ..الفقراء عادة ما يُفرحُون بعضهم بعضاً ، ويسترون حوائج بعضهم بعضاَ دون جلبة أو ضجيج حتى فرحهم وكسبهم مضبوط على وضعية الصامت “mute”..
شخصياً ، يوماً عن يوم… تتضخم و”تتورّم” و”تتكوّم” كراكيبي النفسية في مستودع الذاكرة ،ولا أجد حتى اللحظة مناسبة وطنية تفرحني لعرض كل كراكيبي للبيع او المبادلة..ترى من يشترى مني “أحلامي الواسعة”..و”عروبتي الضيقة”؟؟ من يشتري “”نكبة موديل 48″؟..من يشتري مني “وجع بغداد 2003″؟..من يشتري مني “سوريا المستعملة”؟، “حلب المحترقة”؟ ،”مضايا بأمعائها الجائعة”؟ ، “الجامعة العربية المعطّلة”؟ من يشتري مني آمالاً معطوبة تكلفة أصلاحها أغلى بكثير من ثمن الاحتفاظ بها في مخزن التمنّي… من؟ لا أحد…لذا سأجمعها من على رصيف الشكوى واحملها من جديد في قلبي الى آخر العمر..

احمد حسن الزعبي
ahmedalzoubi@hotmail.com

الوسوم
اظهر المزيد

‫5 تعليقات

  1. انداري يا استاذ .. مين ما عندهوش مثل كراكيبك … كلنا على ارصفة العمر نعرض كراكيبنا . وفي آخر النهار نلملمها .. نعيدها الى مخازن القلب الأربع .. نغلفها بتامور القلب .. ورغما عنا تغافلنا وتندفع الى الشرايين والأوردة لتعلق على الجدران كوليسترول ودهون ثلاثية الألم
    العرض كثير .. والطلب معدوم .. كل عنده ما يكفيه … أوجاعنا العربية العامة والخاصة تشبه بعضها بعضا … وجع يمتد من بغداد الى الدار البيضاء مرورا بالقدس وغزة ومصر … من دمشق الى صنعاء ليتقاطع مرة اخرى مع وجع فلسطين … وكأن فلسطين تصر ان تربطنا بوجعنا المشترك .. فمنذ 67 عاما كانت بداية السكتة العربية الكبرى … ليتبعها ذبحتها الصدرية منذ 49 سنة … ليتبعها نكسات ونكسات على امتداد عقود من الانهزام والنكوص والانكسار

  2. لن تستطيع لاننا تربيّنا في بيئة القهر و الكبت و العيب الغير مبرر و تابوهات العادات الباليه .. كم يحمل رصيف العمر و خزائن الذاكره من أمال مقتوله و أوجاع و جروح نفسيه نازفه و قد أجمع علماء النفس على ضرورة إفراغها و تعقيم مكانها تمهيدا للتجديد .. لكن هيهااات .. أنّا يكون للرجال ان يبوحوا بقهرهم و ألمهم القاتل و احلامهم المحطمه و جروحهم الغائره في التاريخ .. لقد مُتنا قبل ان نولد بحكم التخلّف و قلة الثقافه .. لقد كُبلنّا بالاستبداد و التخويّف و اللامبالاه الى اخر أعمرانا .. اذا كان البوح بالام وقاحه و انتقاد الظلم هرطقه و محاولة التغير ضرب من الجنون و النشوز .. ف .. بدي أروح اشرب بيبسي (كولا) او ميرندا بارده بلكي اموت و اخلص .. زهقت يا جماعه خلاص رجاءً

  3. سيد أحمد، فقط لتوضيح الصورة، لا يوجد فقراء بالمعنى الحقيقي للفقر في هولندا.

  4. اجمعها وضعها في ملف وارفعها لمحكة الآخرة فالشهود ملائكة والحاكم اعدل العادلين

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق