قيمة الرحمة في الإسلام / د . هاشم غرايبة

قيمة الرحمة في الإسلام
تتبدى قيمة أي فكر بمدى حيازته للقيم الإنسانية السامية ، وليس فقط من نجاح برامجه الإجتماعية ، أو سلامة رؤاه الإقتصادية ، لهذا نجد أن الفكر الإسلامي يرتكز على ترسيخ تلك القيم جميعها في النفس البشرية ، ويعمل على ضمان ارتقائها في نفس الفرد وصولا إلى سيادتها على النزعات الأنانية ، بذلك يصلح الفرد وبصلاحه يصلح المجتمع .
أرفع القيم الإنسانية الصدق ، وهو يُنتجُ الرحمة والعدل ، والرحمة تنتج الحلم ، والحلم ينتج التسامح ، وعندما يسمو التسامح ينتج الصفح ، فيؤدي ذلك الى إزالة الضغينة من القلوب فالمحبة .. وهي المتطلب الأساس للصفاء والصلاح .
قد يقول قائل : كل هذا كلام نظري يردده دعاة كل فكر حتى الشوفيني المتعصب ، ولكن كيف يتحول الى تطبيق عملي ؟ الإجابة هو في التفريق بين التنظير والممارسة ، إن زعمي أن الإسلام خير من يطبقه يرتكز على حجتين ، الأولى مرتبطة بمصدر المنهج ، والثانية بالبرنامج التنفيذي للوصول الى النتيجة المتوخاة .
أما الأولى : فهي أن من أسسه هو الخالق لذا فهو لا يحتاج لأدلة لإثبات صحته ، لأنه متصل بالمعرفة المطلقة ، بينما تحتاج ذلك باقي الأفكار البشرية ، لأنها تجريبية تحتمل النقض والتجريح والتعديل ، لذا فلا يوجد داعٍ للنقاش عند من آمن بالله عز وجل ، لكن ما سنورده لتعزيز فهم الفكرة وليس لإثبات صحتها .
الصدق المطلق مصدره الذات الإلهية ، وقد تأكد ذلك للبشر من ملاحظة السنن الكونية التي تجري الأمور كلها وفقها منذ بدء الخليقة فكل فعل اذا تشابهت مدخلاته يؤدي الى نتائج محددة متطابقة ، فمنذ الأزل إذا اقترب شيء من النار كثيرا احترق ، وإذا قطعت جناح فراشة لا تطير … الخ ، كما تأكد ذلك من ملاحظة القوانين الفيزيائية فلا يمكن أن لا يسقط جسم بفعل الجاذبية إلا بفعل معاكس أقوى .. وكذلك مع ملايين القوانين التي لا يمكن تحديها كالإحتكاك والتمدد والتبخر … الخ . إذن فكل ما حولنا يثبت صدق الله عز وجل في أفعاله وثباتها على مر الزمان .
أما الرحمة فهي الصفة التي خصها الله عز وجل بالإنتساب إليه ، وقد ذكرت في القرآن الكريم بهذا الإرتباط في قوله تعالى ” ..كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ..” ، وقوله تعالى ” وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ۖ ” ، و ” وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ۚ ” ، كل ذلك يدل أنه مصدر الرحمة ، فكل ما لدينا مما لا يمكن حصره هي شذرات من رحمته ، على أن أعظم تلك النِعم كان الدين ” وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ” لأنه أخرجنا من التيه والضياع بين مختلف الضلالات ، وأعلمنا علة خلقنا والغاية من وجودنا ، وأنقذنا من غضب خالقنا فيما لو لم نتبع هداه .
الحجة الثانية : وهي موجهة لمن لا يؤمنون بالله ورسوله ، ويشككون في مقولة أن الرحمة قيمة إسلامية بامتياز ، مستندين في إدعائهم الى الأحداث العنيفة التي جرت في الدولة الإسلامية منذ الخليفة عثمان ، وإلى أعمال بشعة قامت بها حديثا جماعات تدعي أنها تمثل الإسلام .
لا يتسع المجال لشرح كل الملابسات ، لكن لكي يتحقق بعض الإنصاف ، يجب التأكيد على أن العالم في فترة ظهور الإسلام كان يحتكم الى القوة ، وكانت القسوة البالغة هي السائدة ، بل أن الرحمة كانت رديفا للضعف ، لذلك انفرد المسلمون بالقيم الرحيمة في الحروب ، ووصية أبوبكر الشهيرة ظلت قانونا للحرب يطبق من جهة المسلمين فقط ، والدلائل على ذلك لا حصر لها ، إذن ظل المقاتلون المسلمون متمسكين بأخلاق ( الفرسان ) من جانب واحد ، ولو استعرضنا الممارسات الوحشية على الجانب الآخر طوال التاريخ الإنساني لظهرت التباين الساطع ، لكن غير المؤمنين بالإسلام لا يسلطون الضوء إلا على ما يسند أفكارهم ، ويغضون أبصارهم عن الأفعال الشنيعة لغير المسلمين .
أما عن ما ينسب الى الدين من أفعال وحشية فذلك كله تدليس وخلط أوراق ، فلا يمكن للدين الذي يُحرّم قتل غير المقاتل والزنا والسرقة والإستيلاء على أموال الغير ، لا يمكن أن يكون هو الدافع لتلك الممارسات المنبوذة ، التفسير لذلك هو أنها مقصودة لكي تتطابق مع تهمهم الباطلة للدين ، وبالتالي تبرر محاربته .
لا يوجد في أي فكر آخر غير الإسلام استغراق كامل في بناء شخصية الفرد ، بناء على القيم التي ذكرنا وعلى رأسها قيمة الصدق ( يطبع المؤمن على الخِلال كلِّها إلا الكذب والخيانة = حديث شريف ) ، لأن منه تنبثق الرحمة ، والتي هي مطلقة تجاه الإنسان والكائنات الحية .. هل يوجد في أي فكر مخالف أن إنسانا يُمنح الجنة لمجرد أن سقى كلبا عطشانا ، ويعاقَب آخرٌ بدخول النار لمجرد أنه حبس هرة حتى الموت !!؟ .
وهل هنالك غير الإسلام من يوصي بالصبرعلى أذى الجار بل والإحسان إليه ؟
ومن غيره يقرن عبادة الله بالإحسان الى الوالدين وذوي القربى والأيتام ؟ ، ومن غيره يربط بين غضب الله عز وجل والقطيعة بين الأصحاب والإخوان ؟ .
ليس غير الإسلام من يعتبر العفو أعلى مراتب العمل الصالح ” وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ” .
الإسلام فقط هوالذي يجعل هدف الإنسان الأسمَى امتلاك كل القيم الأسمَى .

– للإطلاع على المزيد من انتاج الكاتب يرجى الدخول على صفحته على الفيس بوك : صفحة الدكتور هاشم غرايبه

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق