قانون الإنتخاب ومجلس النواب …. المشكلة والحل

قانون الإنتخاب ومجلس النواب …. المشكلة والحل
د. حازم التوبات
أستاذ القانون الدستوري المساعد في جامعة جدارا

جميعنا يعلم إن الفساد قد استشرى في معظم مؤسسات الدولة واصبح آفة مؤرقة لكل من يقيم في الاردن سواء كان مواطنا أم مقيما, حيث إمتد تأثيره ليشمل جميع مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والإجتماعية. ولا شك إن انتشار الفساد هو نتيجة طبيعية وحتمية لغياب الدور الرقابي الفاعل والحقيقي على المؤسسات الحكومية بكافة فئاتها ودرجاتها, هذا الدور الذي أناطة الدستور بمجلس النواب باعتباره صوت الشعب ودرعه الحصين ضد الفساد والمفسدين, وهو الضامن المفترض لحقوق المواطنين وحرياتهم من خلال دوره التشريعي والرقابي. ولكننا نجمع تماما على إن مجلس النواب في الوقت الحاضر لا يمثل طموح الشعب وتطلعاته, ولا يقوم بدوره الرقابي والتشريعي المفترض على الوجه المطلوب منه, لا بل أصبح دوره يقتصر على فقط على الموافقة -كإجراء دستوري -على مشاريع القوانين التي تقدمها الحكومة ، دون ممارسة أي دور يُذكر في تغيير الأحكام القانونية التي تقدمها الحكومة, فدور البرلمان في سن القوانين هو مجرد دور صوري يفتقد الى الفاعلية والتأثير لتصبح السلطة التنفيذية هي السلطة الفعلية للتشريع . أما دوره الرقابي فلا يتعدى حدود السؤال والاستجواب الذي يمارسه فئة قليلة من أعضاء المجلس والتي تفتقد إلى الإغلبية في تحويل الإستجواب إلى تصويت لطرح الثقة بالحكومة واقالتها بالنتيجة.
إن السؤال الذي يتبادر للذهن هو: لماذا أصبح مجلس النواب بهذه الحاله من الضعف والتبعية للحكومة في الوقت الذي نستذكر فيه مجلس النواب الحادي عشر المنتخب عام 1989 , حيث كان مجلساً مستقلًا فاعلا ًوقادرًا على أداء واجباته الدستورية على أكمل وجه , فلم يكن للحكومة أي دور في توجيهه أو السيطرة عليه.
إن الباحث عن إجابة لهذا السؤال يجد ضالته في قانون الإنتخاب الذي تجرى على أساسه انتخابات مجلس النواب ; فمجلس النواب الحادي عشر لعام 89 أُنتخب بناءً على قانون إنتخاب أساسه نظام القائمة المفتوحة الذي يسمح للناخب بإنتخاب عدد من المرشحين مساوٍ لعدد النواب الممثلين لدائرته الانتخابية مما يتيح للناخب إنتخاب المرشحين على أساس قبلي وديني وحزبي بنفس الوقت. لذلك كان هذا القانون قانونًا متميزًا، وأظهر رغبة جادة في تبني النهج الديمقراطي ، مما أدى إلى انتخاب مجلس نيابي مستقل مع تمثيل حزبي فاعل وقادر على على ممارسة دوره المفترض في الرقابة والتشريع, حيث كشف ثقل الأحزاب السياسية المعارضة وشعبيتها وقدرتها على التأثير في القرار السياسي.
إن مجلس النواب الحادي عشر قد أوجع الحكومة وقيد تسلطها وإنحرافها مكرسا مبدأ الفصل بين السلطات بمعناه الحقيقي بإعتباره أحد مقومات الدولة القانونية وضمانه مهمة للشعب في وجه تسلط الحكومات واستبدادها, فما كان من الحكومة إلاّ أن قامت بحل هذا المجلس قبل (5) أشهر من نهاية فترته الدستورية, ثم أصدرت قانون الإنتخاب المؤقت رقم 15 لعام 1993 ، والمعروف باسم قانون الصوت الواحد. وقد تزامن هذا القانون مع تعديل نظام الدوائر الانتخابية، بحيت تم تقسيم الدوائر الانتخابية بطريقة تصب في صالح المناطق الريفية والقبلية على حساب المدن التي تتلقى الأحزاب السياسية فيها عادةً مزيداً من الدعم والتأييد.
إن قانون الإنتخاب القائم على أساس الصوت الواحد لا يسمح للناخب إلاّ إنتخاب مرشح واحد فقط بغض النظر عن عدد المقاعد المخصصة لدائرته الانتخابية, مكرسا وصول النائب الفرد للبرلمان بدلاً عن النائب الحزبي, ذلك أن الناخب عندما يجبر على اختيار مرشح واحد فقط ، فإنه عادة ما يختار المرشح على أساس قبلي لا حزبي , الأمر الذي يعني سهولة السيطرة على النائب الفرد وتوجيهه بسهولة من قبل الحكومة, وبالتالي اضعف هذا القانون دور الأحزاب السياسية ، وأدى إلى انتخاب نواب معظمهم لا يتمتع بالكفاءة المطلوبة لمناقشة الشؤون العامة أو لتقييم القوانين التي سيتم التصويت عليها, كما أنهم يفتقدون لبرامج حزبية أو مرجع حزبي لتزويدهم بالمشورة اللازمة ، حيث يكون غالبية النواب من رجال الأعمال الذين ليس لديهم خبرة قانونية ودستورية كافية, واصبح هدفهم الرئيسي هو تحقيق مصالحهم الشخصية والمصالح المتعلقة بدوائرهم الإنتخابية على حساب دورهم التشريعي والرقابي.
واستنادا إلى هذه القوانين المؤقته القائمة على أساس نظام الصوت الواحد أُجريت انتخابات مجلس النواب الثاني عشر عام 1993 والثالث عشر عام 1997 والرابع عشر عام 2003 والخامس عشر عام 2007 والسادس عشر عام 2010 (الذي تم حله عام 2011 كنتيجة للتعديلات الدستورية التي قيدت من دور الحكومة في إصدار قوانين مؤقتة). هذه القوانين كانت كفيلة في إحكام القبضة الحكومية على مجلس النواب وتحويله إلى أداة مرنة بيدها تشكله كيفما شاءت, متحررة بذلك من الرقابة النيابية ومستأثره لنفسها بسن القوانين التي تشرع تسلطها وتستر فسادها.
وبالرجوع الى حق الحكومة في اصدار قوانين مؤقته فإن الدستور وإن اعطاها هذا الحق إلا أنها استبدت وتعسفت في ممارسة هذا الحق واتخذته ذريعة في تمرير سياساتها وتعزيز تسلطها دون رقيب أو حسيب. ثم ان مبدأ الفصل بين السلطات كمبدأ دستوري ديمقراطي, والمنطق الدستوري كذلك لا يجيز للحكومة أن تصدر قوانين مؤقته تتعلق بإنتخاب المجلس النيابي, فإنتخابات مجلس النواب لا تعتبر من المسائل الطارئة التي تتطلب إصدار قانون مؤقت يتم بموجبه إجراء الإنتخابات النيابية. من جانب آخر, فإن انتخابات مجلس النواب هي من مواضيع القانون الدستوري التي ترتقى إلى مستوى القاعدة الدستورية, لذلك لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تنظم بقانون مؤقت صادر عن الحكومة, فهل يُعقل دستوريا وديمقراطيا ومنطقيا أن يتم تشكيل السلطة التشريعية بقانون يصدر عن الحكومة , أين مبدأ الفصل بين السلطات , وأين التساوي والتوازن بين السلطات.
خلاصة القول إن القوانين المؤقتة القائمة على نظام الصوت الواحد قد أدت إلى غياب الدور الرقابي والتشريعي لمجلس النواب مما نتج عنه أن انفردت الحكومات المتعاقبة بالسلطة, ففسدت وأفسدت ( فالسلطة المطلقة مفسدة مطلقة). وبالتالي فإن محاربة الفساد الجادة والحقيقية تنطلق من تفعيل هذا الدور الرقابي والتشريعي لمجلس النواب من خلال سن قانون إنتخاب قادر على إفراز نواب ممثلين حقيقةً لتطلعات الشعب وطموحاته وقادرين على كبح جماح الفساد والمفسدين.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق