في غياب المشهد الثقافي

في غياب المشهد الثقافي
د. قــدر الدغمـي

نتفق بأن الثقافة في كل جوانبها لا يمكن أن تصدر بقرار، لأنها ببساطة ليست منتجا ماديا يمكن أن يضبط باللوائح، هي إبداع والإبداع لا يمكن أن تقيده محددات سابقة، لكن يجب أن يخضع لسياسة الدولة العامة، وعلى الدولة أن ترعاه وتوفر له كافة السبل، وهي بذلك خادمة لرسالة الإبداع غير الموجهة بعيدا عن التدجين والتسطيح وغياب المعنى.
ما تحتاجه الثقافة في وطننا هو نفض الغبار عن روحها وإعادة الاعتبار لها، وفهم ما تحتويه من قدرات ابداعية تعبر عن صورة هذا الوطن وجماله، وأن تبلسم جراحه ولا يكون ذلك إلا بفتح المجالات وتسهيل كافة السبل للمبدعين على مساحة الوطن، ولو أن التعبير الثقافي له سمة تلقائية وعفوية، إلا أنه غالبا يكون بعيدا عن الارتجالية، خاصة في هذا العصر الذي تضافرت مخترعاته ووسائله لتكون خادمة لكل شيء ثقافي ومبدع.
في الزمن الماضي أنتجت الساحة الوطنية الكتاب والفنانين والمؤلفين والمخرجين الكبار، الصور الإبداعية الخارقة والباهرة، مما جعلها تغرس في أذهاننا ونفوسنا جوانب من الصور الفنية الراسخة إلى الآن، من هنا كانت المدرسة وكان المركز الثقافي وكانت المسارح ودور السينما … إلخ، كهياكل ضرورية في الدولة لا غنى عنها.
فالثقافة إبداع لكنها ايضا صناعة، وصناعة الثقافة تتمثل في اكتشاف واستثمار وتكرير وتركيب وإنتاج، وهو ما يغيب عن مؤسساتنا الثقافية الرسمية حتى الآن، لذا سيظل الارتجال وربما طغيان الصورة الثقافية المشوهة هي السائدة، على حساب ما هو ثقافي وإبداعي وحقيقي حتى إشعار آخر.
من جانب آخر هناك فرق بين المثقف الساكن المنطوي على ذاته وبين والمثقف المبدع المتحرك الذي لديه ابداع يروج له، دون أن يستجدي أو يحابي أحدا، ويدافع عن ابداعه ويعمل من أجله، وهنا يجب على المثقف أن لا يكون خنوعا أو مستضعفا، وفي المقابل أن لا يكون متعالي على مجتمعه، وأن لا تهيمن عليه مفاهيم الغرور والاستكبار.
لقد أفسد المال والسياسة بعض المثقفين وأصبحت أعمالهم للتكسب ومدفوعة الأجر، ولا أعني هنا أن المثقف كائن معرفي طوباوي يتعالى على غرائزه وحقه في التطلع للسلطة والمال، وإنما أعني الحالة التي يكون فيها المثقف بائعا لنفسه بسبب ضغط الحاجة إلى المال أو المنصب، فيبرر لهذا ويسكت عن ذاك، وهذه الحالة المرضية التي يعاني منها الكثير من مثقفينا، فحين يكون المال قيمة عليا في المجتمع لمثقفيه ولشبابه فتلك مأساة حقيقية، وعندما تكون السياسة صعيدا للوصول والنفاق والتملق فتلك مأساة أخرى.
لا شك أن لجائحة كورونا هذه الأيام سببا في غياب الأنشطة الثقافية، لكن قد يكون من أسباب تراجع وغياب المشهد الثقافي بشكل عام، إسناد وزارة الثقافة إلى أشخاص تعاقبوا عليها ليست لديهم أي خلفية ثقافية أو رصيد معرفي يسهم في تطويرها وازدهارها، وليست لهم تجارب ميدانية في تسيير وتحريك مكونات الثقافة، هذا بالإضافة إلى شح موارد التمويل لإنتاج لآداب والفنون وغيرها.
للأسف الشديد، لقد ضاع بعض المثقفين في دهاليز السياسة، والبعض منهم تحكمت به المادة وطغت على روحه وسلبت رونقها، والبعض الآخر أصبح بوقا في يد المسؤول يوجهه حيث يشاء، لهذه الأسباب غاب المشهد الثقافي عن ساحتنا الوطنية.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق