في رثاء صديق صدوق

في رثاء صديق صدوق
موسى العدوان

قبل حوالي أسبوع من هذا التاريخ، انتقل إلى جوار الرفيق الأعلى الأستاذ العزيز على الهنانده ( أبو غسان) عليه رحمة الله. ومن لا يعرف ذلك الرجل الذي ربطتني به صلات الصداقة والمصاهرة مع أحد أبنائي، أجد من واجبي أن أذكّر ببعض مناقبه كما عرفته بها عن قرب. فقد كان ذلك الصديق صاحب خلق رفيع، ويحمل تاريخا وطنيا نظيفا وسيرة عطرة. يأسرك بلطفه ودماثته وحسن خُلُقه، وقد ربى أبنائه وبناته على الطهارة وحسن المعشر، والتمسك بأهداب الدين.

أمضى أبا غسان جُلّ حياته في سلك التعليم، مدرسا ومربيا لأجيال عديدة، تخرجت من تحت يديه وهي تحمل مشاعل العلم والنور. وكان آخر منصب تولاه في حياته مديرا لكلية الحسين في وزارة التربية والتعليم بعمان. لقد كان رجلا وطنيا مثقفا ويساهم برأيه الصادق بما يكتب في وسائل الإعلام الورقية والإلكترونية، مؤيدا أو منتقدا من أجل الصالح العام. فكنت كواحد من الكتاب، كلما كتبت مقالا في صحيفة العرب اليوم السابقة أو في الصحف الإلكترونية، أجده معلقا على ما كتب ومبديا رأيه بلغة بليغة ورأي حصيف.

يُقال بأن أدق طريقة لمعرفة طبيعة شخص ما، هي أن تسافر معه لتكتشف حقيقته. وقد كان لي الشرف أن رافقت أبي غسان في سفر إلى الأماكن المقدسة في السعودية عام 2010 لأداء شعيرة العمرة. فكان لي خير الرفيق ونعم الصديق، إذ جعلني أحمل جمال تلك السفرة بدقائقها في ذاكرتي إلى الأبد.

قبل أن نغادر الأردن سألني أبا غسان : هل ترغب أن نسافر بالطائرة أم بالحافلة على الطريق ؟ فأجبته في الحافلة، فقال لي إن الطريق طويل ومتعب، وهناك توقف قد يأخذ وقتا طويلا على الحدود، بينما في الطائرة أسرع وأريح من الأخرى، فرديت عليه بما يلي : أستاذ أبو غسان، أنا بخلفيتي العسكرية أرغب بالتعرف على طبيعة الأرض، تلك التي اجتازتها الجيوش الإسلامية عندما توجهت نحو بلاد الشام في بداية الفتح الإسلامي، ولكي أتصور الكيفية التي استطاعت بها تلك الجيوش، اجتياز الصحراء القاحلة وأراضيها الحَرّة ( الصوّانية )، والخالية من المياه والأشجار تحت ظروف جوية قاسية.

وافق صديقي على رأيي واستمتعنا في السفر بالحافلة، حيث كنا خلال السفر نتجاذب أطراف الأحاديث الدينية والتاريخية، للتغلب على طول المسافة وساعات الانتظار على الحدود. وبعد أن وصلنا مكة المكرّمة وأتممنا الشعيرة التي قصدناها، رغبنا بأن نصطحب معنا كمية مناسبة من ماء زمزم المقدس إلى الأهل والأصدقاء في البلاد. فاقترح صديقي أن يحصل كل واحد منا على جالون سعة 20 لترا، ونعبئها من نبع زمزم مباشرة لنتأكد أن الماء من مصدره الحقيقي. فعبئنا جالوناتنا وكان علينا أن نحملها إلى مكان السكن، لمسافة تزيد عن 3 كيلومترات.

استمرت العلاقات الحميمة بيننا وبين أولادنا بعد أن عدنا إلى البلاد، حيث نلتقي أحيانا لأداء صلاة الجمعة سويا في المسجد، أو نلتقي في المناسبات الاجتماعية وغيرها. وبما أن الدنيا لا يدوم لها حال، فقد واجه صديقي مرضا أقعده في الفراش لما يزيد عن السنتين. كانت زوجته الكريمة وأبناؤه وبناته خير معين له ولكن قدر الله كان هو الفيصل، إذ ترجّل أبا غسان عن صهوة الحياة، وسار في طريقه إلى دار الحق، إنفاذا لقوله تعالى :

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ صدق اهَ العظيم.

ومما يحزنني، أنني لم أتمكن من وداع صديقي أبي غسان في رحلته الأخيرة، بسبب الحجر الصحي الذي فرضه قانون الدفاع. ولا يسعني اليوم إلاّ أن أدعو الله أن يرحمه ويسكنه جنات الخلد، وأن يحسن عزاء أهله وذويه، وأن يجزيهم خير الجزاء على ما قدموه له في حياته ومرضه، وعظّم الله أجرهم وألهمهم الصبر والسلوان.

التاريخ : 17 / 5 / 2020

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى