فرائد مدرسة الكرك “الرُشدية” الثانوية..

فرائد #مدرسة_الكرك “الرُشدية” الثانوية..

أ.د #حسين_محادين*

قسم علم الاجتماع -جامعة مؤتة

الأماكن بساكنيها

لا شك ان #مدرسة_الكرك_الثانوية “أم المدارس” تاريخاَ وتفرد بناءٍ  ( 2500 مترا ) ؛ انما تحمل من عبقرية الفكر الجمعي بدلالة اختيار مكانها النوعي المستقل على ربوة الواجهة الشرقية الشمالية من المدينة  وبعيدا عن السرايا التركية “مركز السلطة ” الواقعة في أعلى جنوب المدينة قرب قلعة الكرك العسكرية الحصينة  حفاظا ضمنيا على استقلال وعي اساتذتها وطلبتها عن السلطات الدينية السياسية ؛ اذ تحمل هذه المدرسة الكثير من الدلالات الالهامية والتأويلية اللافتة بالنسبة للراصد والمحلل العلمي لبنيتها الفلسفية والتدريسية معا. لذا، لا ضير من التذكير هنا بأن المباني عموما وهذه المدرسة على وجه التخصيص رغم تفرد نمطها العماري؛ وايّ كان قدم بنائها وشكله ومقدار كلفها المالية التشاركية التي جُمعت وعيا وطوعا من أهل المنطقة عربا مسيحيّن ومسلمين.

أقول ؛ ستبقى المبان صماء دون ان يُحيها الاعمار البشري عبر استثمار الانسان الكركي المؤمن برسالتها التعليمية والتنويرية المتميزة عن غيرها بالنشاطات التعلمية /التعليمية والتنموية معا وهذا اول تفرد لها.

تفرد الفكرة.. قيم ومراحل الانشاء

بناء على ما سبق ؛ يمكن الإشارة الى ابرز محطات تطور التعليم التي رافقت نشأتها كمدرسة ريادية استنادا وتحليلا لما هو آتِ:-

أولا – قِيم التعليم بجذورها العثمانية  – مرحلة ما قبل ظهور الامارة ؛ ففي عام 1846م صدر اول قانون لإصلاح التعليم في ظل الدولة العثمانية حيث خوّل هذا القانون الدولة الدينية الاشراف على مختلف مراحل التعليم  بإطلاق اول قانون يتضمن توفير مجانية التعليم للطلبة تشجيعا لهم ولأهاليهم على الالتحاق بالدراسة كحقل تعليمي نظامي /تنظيمي ومهني جديد تمهيدا لانخراطهم كمتعلمين في سوق العمل لاحقا.

ثانيا – حصر القانون الجديد حق الدولة فقط في تعيين المعلمين. اي ان السلطة الرسمية الدينية السياسية المسيطرة فيها هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن  التعليم ومصاحباته الحياتية فكرا ومخرجات بما في ذلك الانفاق المالي عليهم .

اقسام  وأنواع التعليم الرسمي آنذاك والتي قسمت الى :

1- الكتاتيب ، حيث  يتولى شيوخ الدين فقط (الكُتاب/الكتاتيب) التدريس اذ اتُخذ المسجد او منزل الشيخ مكانا ومصدرا لهذا النوع من التدريس الذي اقتصر حينها كذلك على نوعين منه هما :-

أ- تدريس القران الكريم والحساب فقط ، وقد استمر هذا النوع من التدريس حتى خروج العثمانيين من المنطقة بعيد منتصف العقد الثاني من القرن الماضي تقريبا (1916- انطلاق الثورة العربية الكبرى) باستثناء التدريس في مدرسة الكرك الرشدية التي تفردت بتدريس طلبتها العلوم الطبيعية والانسانية.

ب- ظهر نظام المِلة للطوائف غير المسلمة تحت مظلة الدولة العثمانية حينها وهي التي تتعلق بحرية التدريس وبناء المدارس الخاصة بهم وخير مثال على هذا (بناء مدرسة اللاتين في الكرك عام 1875م) وهي المدرسة الاقدم في المدارس الدينية التبشيرية في المنطقة كما تشير جُل المصادر التاريخية .

ويُستنتج مما سبق ؛ ان العملية التعليمية النظامية بالمجمل قد شكلت قيمة جديدة على المنظومة القيمية للمجتمع الكركي آنذاك أي بعد صدور قانون التعليم العثماني؛ اذ جاءت مصادرها التاريخية وعلومها وقيمها التعليمية دينية المحتوى والعناوين وبحسب الترتيب الزمني فقد كانت عربية الفكر(مسيحية اسلامية ) كما انها كانت رسمية المنشأ والتمويل مع ملاحظة غياب العلوم الطبيعية الاخرى ” غير الدينية “عن مناهج وأماكن التدريس في تلك الحقبة كتلك التي كانت موجودة وتدرس في اوروبا حينها مثلا .

ويشير استنتاجي التاريخي هنا ؛ الى انها اول مدرسة وضعية “من وضع البشر” اي مدرسة غير دينية المناهج وبتعدد جنسيات خريجيها معا قد شيُدت في منطقة شرق الاردن لاحقا هي مدرسة الكرك (1893-1899).

الابتدائية اما اذ كان التدريس فيها متفرد ايضا عن غيرها من مدارس العثمانيين بمرحلتين جديدتين هما؛ الاولى المرحلة الثانية والتي تسمى  بالرشدية (اعدادي). من هنا كان مبرر تنوع بعض جنسيات ومناطق قدوم طلبتها من الدول العربية والإسلامية اما الان فتعرف بمدرسة الكرك الثانوية ، حيث تلاها من حيث الاقدمية مدرسة السلط الثانوية زمنيا والتي وضع حجر الاساس لها الملك المؤسس عبد الله الاول في ( 12/12/1923).وتبعتها زيارة الملك المؤسس لمدرسة الكرك الثانوية (1925) ودون بخط يده كأديب وشاعر كلمة توجيهية وتثمينية لأسرة المدرسة في سجل الشرف الذي كان وما زال موجودا بجانب ما يزيد على 20000 وثيقة تاريخية حُقق منها 5000 فقط  بالتعاون مع المركز الملكي للتوثيق وما زال الباقي ينتظر الإنجاز مما يعني ان مدرسة الكرك  ومنذ تأسيسها قد تفردت أيضا  بانها ذاكرة توثيقية وطنية مستدامة لمسيرة ومناهد التعليم المتنوع الذي كان حاضرا فيها لدى الطلبة والمدرسين والخريجين الذين تبوّأ معظمهم فيما بعد مواقع متقدمة ومتنوعة الاختصاص في الدولة الأردنية وخارج الوطن ، وهذه فريدة أخرى تميزت بها هذه المدرسة الغراء .

لقد تفردت مدرسة الكرك كأنموذجا حينها عن سابقاتها بريادتها فلسفة وتدريسا من خلال تدريسها للعلوم الدينية والوضعية الحياتية معا ؛ اذ تضمنت منهاجها تعليم الطلبة أيضا كل من:-

 الاوزان والمكاييل المستعملة في شرق الأردن التي كان يتعامل فيها اهل لواء الكرك كالرطل الشامي ، عشراوية الحبوب والمِد العُزيزي ؛ ولم تكن أهمية البيئة والنظام الرقابي على العمل بعيدان عن المنهاج العملي لطلبتها مثل تعليمهم أهمية تعلم الزراعة في الحدائق المدرسية خصوصا وان عمليات تسليم الأشجار الحكومية الموسمية وضرورة المحافظة عليها كانت احدى مهام المدرسة التي توّكل لها أيضا مهمة توزيعها عبر المدرسة للمخاتير وغيرهم في المنطقة وتتم متابعتها من خلال إدارة هذه المدارس حتى اذا ما تعرضت هذه الاشجار للرعي الجائر او الخلع فيتحمل المستلمون اثمانها .

أخيرا ..الفرح والفخر العميمين لجميع طلبتها وتدريسيها وادوارها الوطنية والتنموية المستدامة عبر التاريخ ها هي مدرستي ؛ مدرسة الكرك الثانوية تتوج مسيرتها المتنامية بإدراجها على القائمة الرئيسة لمواقع التراث للعالم الإسلامي لعام 2022 من قبل منظمة العالم الإسلامي للتربية والثقافة والعلوم (إيسيكو) .

*قسم علم الاجتماع -جامعة مؤتة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى