” غزة .. ما بعد الموت !”

” غزة .. ما بعد الموت !”
د. محمد شواقفة

لم يعد هناك معنى للألم … ما لجرح بجسد ميت إيلام …. مزيدا من القصف و مزيدا من التدمير …. رصاصة واحدة في القلب تكفي لتقتلني … أيها المجرم …لا تحتاج لكل تلك القنابل و الصواريخ … ربما شظية عابرة ترديني … أو إنهيار سقف بيتنا فوق جسدي قد ينهي معاناتك و ينهيني ..

ألم ترتوي بكثير من الدم المراق …. ألم تكتفي بدمي و دماء أخوتي و أهلي و اقربائي و أصدقائي …. هل ترغب بمزيد منها …أمعن النظر جيدا أو تجاهل النظر في عيون ضحاياك …و أقصف و أقتل و دمر …. فكل الاماكن مستباحة و لن يردك أي أحد أو أي شئ ….. فلا شئ يختلف في غزة بعد الموت !!!

أيها الغاصب .. هل يغريك جسدي الغض الطري لتقطعه أشلاء تتناثر في الأرجاء …. أم أنك تستمتع برائحة الجثث تتراكم و تحترق …. أيرضي غرورك و هنجهيتك سماع صوت البكاء و العويل الذي قد لا يستمر سوى للحظات …. قبل ان يخفت و يصمت للأبد … هل يسرك أن تحرمنا وداع في آخر اللحظات …. فلا يندبني أبي و لا تبكيني أمي …. و صدقا لن يكون هناك فرق … فلم يعد للدموع مكان بعد أن تغلغل في قلوبنا اليأس و الاحزان ….فكله سواء في غزة بعد الموت !!!

هل يغيظك منظري و أنا أسير حاملا حقيبة المدرسة و لا أخاف من صوت الطائرة و لا يرهبني أصوات الانفجارات على بعد خطوات .. لقد أتممت الواجبات و حفظت بعضا من سورة ” الزلزلة” … و ها أنذا أحث الخطى كي لا أتأخر عن صفي و مدرستي … أترفض أن أصل و تفرغ غيظك وابلا من الرصاص و القنابل … و تغيب معالمي أشلاء محترقة و دخان .. . و لا يهمك كيف تعرفوا على جثتي المحترقة … فقد كتبت إسمي على دفتر اللغة العربية ” أحمد الفلسطيني ” … لن يكون ذلك خبرا صادما لأحد … سيضعون اكليل ورد على مقعدي الفارغ .. . و سيكون إسمي لأول مرة في دفتر الغياب ….فالموت في غزة في كل يوم و في كل بيت …و الأهم أنه لا فرق من مات و من قتل و من أصيب و من نجا … فكله سواء في غزة بعد الموت !!

تنتظرني أخيتي عند الباب و هي تعلم أنني لن أعود … تحمل بيدها لعبتها التي لم تسمح لي قبلا بأن ألمسها… و تقول عد يا أحمد سأجعلك تلعب بها… ولا تبكي و تواصل الانتظار .. يا أخية ليس في غزة بعد الموت وقت للعب … ربما او حتما سيطول الانتظار .. و تتنهد أمي حاملة كوفيتي الصغيرة تلثمها لتخفي آثار النشيج و الدموع … أينك يا أحمد …. ؟! وعدتني أنك ستكبر و تنتزع قلب المحتل الغاصب … كيف أخلفت الوعد و رحلت … يا أمي … آسف أنني خذلتك … هل حقا صدقت كلامي … لست سوى طفل أخطأت في تهجئة كلمة الأمل … و وضعت اللام مكان الميم ….هناك ممان كبير للألم و لكن لا مكان للوعود في غزة بعد الموت !!

لا تغضب يا أبي و لا تحزن … لا تنتظر … فقد غابت الرجال …. بعد أن ضاعت الكرامة في غفلة منهم .. و لا تبتئس علي بل احزن على حالك و من معك …و أطمئنك أن القهر و الظلم أبدا لا وجود لهما في غزة بعد الموت !!!

” دبوس على الذل ”

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق