غبصة وحزينة

غبصة وحزينة
شبلي العجارمة

کان الدواج المدني السمين المکنی بأبي صرة يجوب الزاوية الشمال شرقية لقرية طوبيا، وکانت الشمس ترتحل عبر صلعته النحاسية، أنهکه الجوع وهدّه التعب وشرب العطش کل العرق الذي تصبب من جبهته العريضة في تلك الظهيرة ، إلا أن ملاحقة صبية القرية له وقذفه بالحجارة کانت ضرباً من ضروب الرفاه ونوعاً من البهجة الحزينة ، فکيف لا وهم قد زفوه بتلك الزفة التقليدية لکل الغرباء عن القرية وهم يغنون بغجرية أصواتهم علی مدخل طوبيا خلف أبي صرة الدواج ” أبو قفيين أبو قفيين بالسروال ابو خطين …“ ، وکان رده علی تلك الهتافات النابية بلکنته المدنية ”ليش يا عمي هيch مش عيب عليchم ولchم أنا ملبسchم من اللّفاع للطهور للعرس إستحوا علينا يا ولاد ” وکان قد وضع الصرّة الکبيرة علی درب الحارة الترابي ولحق بهم ببطیءٍ شديد وحاول إخافتهم لکن بلا جدوی ،وما أن وصل أزقة الحارة حتی انتهت الزفة علی عتبات أحد البيوت ، طلت من الباب إمرأة وطردت الصبية ، فبادرها العم أبو صرة يستر عليch يا خيتي بلاکي عندchم کوز مي أبل ريکي ورغيف خبز أفك ريکي عليه ؟ ، إبشر يا خوي الخير بوجهك .
بينما کانت تعد الشاي ورغيف الخبز وکوب الماء لأبي صرة کانت قد نادت علی جاراتها من الشباك لشراء ما يردن من أبي صرة ، وما إن قدمت له ما طلب حتی کانت نساء الحارة قد نبشن کل الصرة ، وأخذن ينتقين الملابس والقماش لهن ولأطفالهن ولأزواجهن ، بينما أبو صرة منهمك بفك الريق وشرب الشاي وتجفيف العرق کان نصف الصرة قد وصل کل بيوت الحارة بحجة القياس ، وما دخل تلك البيوت فهو آمن ، وما تبقی أخذته النساء من باب التخفيف علی أبي صرة ، وحين طلب الثمن قلن له ” له يا خوي إحنا ودنا نهج علی المعاش تمر وتاخذ حقك؟ “ ، وحين سألنه عن السعر لتلك البضاعة التي سرقن ثلاثة أرباعها هن وأبناٸهن أخذ أبو صرة يقول البنطلون السرch بنص ليرة والمدرکة بليرة والسروال بربع ليرة “ فنظرت امرأتان لبعضيهما __بينما هو يسجل الديون _ ووضعن أيدهن علی أفواههن بمشهد التعجب الشعبي القروي وقالت إحداهن يا غبصة فأجابتها الأخری يا حزينة!.
جاءت معاشات کثيرة وأبو صرة يبحث عن تلك النساء فلم يجد منهن أية واحدة ولم يلمس لهن خبر ، وذات يوم والصبية يزفونه الزفة المعهودة وجد أبو صرة أحد رجال القرية فسأله الرجل يا ابو صرة انت من مدة تجي وتلف وتدور علامك فيك هبال ،؟، فقال أبو صرة والله يا خال من سنتين اجيت هون وبعت صرتي کلها لنسوان ثنتين وجاراتهن وکالن إلي علی المعاش بنسدك وإجا عشرين معاش وما لکيت إلهن أي أثر ، فقال الرجل لأبي صرة تعرف إسمهن هظول النسوان ؟، فقال أبو صرة إسمهن وحدة غبصة والثانية حزينة .
واصل رجل القرية مسيره وهو يقول لا حول ولا قوة إلا بالله الله يشفيك عموه شکلك متسعن الله يلطفلك.
تعالت أصوات الصبية بالزفة التقليدية ” أبو قفيين أبو قفيين بالسروال ابو خطين “ ، رکض أبو صرة هاربا أمام الصبية وهو ينادي يا غبصة يا حزينة ياغبصة يا حزينة.
لم يعرف أحد من أهل القرية عن أبي صرة أي خبر ، لکن جاء بعد أبي صرة دواجون کثر لکنهم کتبوا کل ديونهم علی قفا الحمام البري غبصة وحزينة ومسخمة وملطمة والعجوز والعزبة وخرجوا بنفس الزفة لکن من أبناء وأحفاد الصبية الذين زفوا أبا صرة أول وآخر مرة بنفس الهمجية ولکن بهتافات اختلفت باختلاف الأشخاص وصفاتهم وعيوبهم الخَلقيَة ولون بشرتهم وشکلهم ومهنتهم وتجارتهم من فريد ابو المطاوي وحتی البياع نقيفة والدواج يوسف الباکستاني أبو خيط وکرتونة .

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق