عَقَبَات الاستثمار / سلامة الدرعاوي

عَقَبَات الاستثمار

حدثان مُهمان على صعيد البيئة الاستثماريّة حدثا قبل أيام قليلة، يرى البعض أن لهما أهمية كُبرى في تعزيز العمليّة الاستثماريّة في المملكة وتعطي لها دفعة جديدة للأمام.
الأمر الأول يتعلق بتعيين الدكتور خالد الوزني رئيسا لهيئة الاستثمار، والوزني هو شخص لامع وقريب جداً مما يدور في عقل راسم السياسة الاقتصاديّة، ويعي جيداً بيئة الاستثمار في المملكة بكل أبعادها، وكان بحكم مواقعه الرسميّة التي اشرف عليها مُشاركا رئيسيّاً في بحث مَشاكل وعقبات تواجه المستثمرين المحليين والأجانب على حدٍ سواء، قبل أن يُغادر مواقعه المُختلفة للعمل في الخارج.
الدكتور الوزني نموذجاً للعقل الإداريّ المُتفتح وهو صاحب قرار ويملك الدرايّة الكاملة في وضع التصور بالنهوض ببيئة الاستثمار، لكن أهم ما في ذلك أن يتلقى الدعم الكامل من الحكومة وأن لا تُنازعه في الصلاحيات ولا تفتح مراكز هنا وهناك للعمليّة الاستثماريّة، فالمرجعية يجب أن تبقى واحدة بصلاحيات مُطلقة في هذا الأمر، وأيّ تدخل جانبيّ أو هامشيّ في أعمال هيئة الاستثمار بشكل يُعطّل أو يتجاوز القانون فمن خلال معرفتي بالدكتور الوزني اضمن انه سيقدم استقالته عند أول تدخل غير قانونيّ.
الأمر الثاني هو قرار الحكومة الأخير بتخفيض أثمان الأراضي الاستثماريّة في بعض المدن الصناعيّة في المحافظات وتحديداً في السلط ومأدبا والطفيلة بأثمان أقل مما كانت عليه بأكثر من 50 بالمئة، وهو قرار سليم من الناحية النظريّة، لكنه في الواقع قد لا يُساهم بأيّ تحرك إيجابيّ في عملية الاستثمار، لأن مُشكلة أسعار أراضي المدن الصناعيّة هي مشكلة ثانوية بالنسبة للمستثمر وليست هي المشكلة الأساسيّة، فَهُناك الكثير من القضايا التي تُعقّد بيئة الاستثمار المحليّة، الأمر الذي جعلها تصاب بالجمود في السنوات الأخيرة.
اليوم باتت التعقيدات في المناخ الاستثمار تعقيدات هيكليّة لا يمكن حلها ضمن قرار نظريّ بحت، بل الأمر يحتاج إلى ثورة حقيقيّة لتنسف كُلّ تلك المعيقات من جذورها، ولا يمكن لشخص واحد مثل الدكتور الوزني أو غيره أن يتعاطى مع الواقع المرير في العمليّة الاستثماريّة أن لم يكن مُعززا بالأدوات الإصلاحيّة التنفيذيّة القادرة على إحداث التغيير المطلوب.
اهم عقبة تواجه المستثمر المحليّ والأجنبيّ هي طبيعة الكادر الإداريّ التي تتعامل مع المستثمر، والتعقيدات المرتبطة بذهنيّة العقليّة البيروقراطيّة والتي للأسف هي أولى حلقات الطرد لأي مُستثمر راغباً في القدوم للمملكة للاستثمار، فهناك فقر حقيقيّ في الجهاز الرسميّ بالكفاءات التي غالباً ما غادرت المملكة بعد خطة تدمير القطاع التي أقرتها حكومة 2011 تحت حجة الإصلاح وإعادة الهيكلة، لتفضي في النهاية إلى هروب الكفاءات الإداريّة الرسميّة للخارج، بعد أن فقدت ميزتها ومساواتها من خلال الأنظمة مع موظفين تعينوا بالوساطات والمحسوبيات، لذلك سيكون أولى التحدّيات إمام إدارة هيئة الاستثمار الجيدة هو إعادة ترميم هذه البنيّة الإداريّة الاستثماريّة وإعادة خلق الروح في كادرها، وتوحيد أفكارهم وطاقاتهم الإبداعيّة في خدمة المستثمر مع تغيير النظرة لهذا المستثمر أساساً.
ثاني عقبات الاستثمار هي تعدد مرجعيات المعاملة الاستثماريّة لأي مشروع وعدم إنجازها في مكان واحد، كما هو الأساس المفروض من خدمة المكان الواحد الموجودة حاليا في الهيئة، لكنها تبقى ناقصة في الصلاحيات، المعاملات تدور على غالبية مؤسسات الدولة، وهذا فيه تعقيدات طويلة وهدراً للوقت، ناهيك عن التعاطي الفاشل للمستثمر مع عقليات إداريّة مُختلفة في مؤسسات رسميّة مُتعددة.
ثالث العقبات التي تقف أمام أيّ مُستثمر هو تعدد المرجعيات التشريعيّة المُتعلقة بالاستثمار والتسهيلات الممنوحة لأي مشروع، فهناك إعفاءات تمنح وفق قانون الاستثمار، وأخرى تمنح وفق قوانين المناطق الخاصة والتنمويّة مثل العقبة على سبيل المثال لا الحصر، وتفسير الإعفاءات الممنوحة حسب القوانين تخضع لاجتهادات موظفي الجمارك والضرائب وغيرهم من الدوائر والمؤسسات التي يتعامل معها المستثمر كما هو حاصل الآن في مشروع سياحيّ كبير يُقام في منطقة الدوار السادس.
المطلوب لتجاوز هذه المعيقات التي لا يمكن مواجهتها بالأسلوب التقليديّ هو العمل على تعزيز الصلاحيات الممنوحة لهيئة الاستثمار ويكون بتعديل قانونها ومنحها السلطة الكفيلة بتجاوز سلطات وصلاحيات باقي مؤسسات الدولة المختلفة المتعلقة بالاستثمار ووضعها في يد الهيئة فقط، بحيث هي فقط من تتعامل مع المستثمر من البداية وحتى النهاية، كنقطة واحدة لا أكثر، حينها سيكون أمام المملكة فرصة كبيرة وحقيقية لاستقطاب المستثمرين والتحدث بأريحية كبيرة عن بيئة استثماريّة سليمة وسلسة في الإجراءات والتعاملات.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق