على باب القصيدة / ماجدة بني هاني

على باب القصيدة
كنت ومازلت أتكبل بقيود الصمت ، كما الأسير ثم تنهال على روحي سياط القهر كما تنهال على ظهره ….
عندما تتعطل لغة الكلام ، أختنق بالكلمات ، وأغص بالحروف وأغرق في عالم من اللاجدوى …..
كنت طفلة ،وكانت تصرعني الدهشة ،بين الفينة والأخرى ، فألتزم الصمت لكن أتحول لكائن فضائي أشرب تفاصيل الكون المحيط ،وأشعر بثقل في أطرافي،وأكتشف أنني سجينة البوح ……
إلى أن يصدمني الواقع فأستفيق على حالة من الثرثرة والشغب وأبقى حتى أشرق بالكلمات من جديد….
اليوم اليوم ، أفيق وقد عكفت مدة على دواوين الأولين ،وقصص الخائبين ، يا إلاهي كم تستهويني لغة الخائبين ، فالشعور بالخيبة صفعة حامية ،قد تسلب الفكرة ، وكنت قد توغلت أشعار العاشقين وتنقلت بين خطراتهم وخفقانهم ….
فما عجب موت المحبين من الهوى …ولكن بقاء العاشقين عجيب ….وطرت مع عرار في مجونه وتمرده حتى جال بي خرابيش النور وطاف بي أودية الأحبة …فأوقفني على مفارق الطرق وسبل الحوريات …
ألا ليت الوقوق بوادي السير إجباري
وليتك يا وادي الشتا جاري
ومن غرائب الصدف أن انتحي جانبا لأطالع رسائل غسان كنفاني المزعومة إلى غادته ، لأسقط في هوة سحيقة من الخيبة والخذلان وأعرف أن الشهيد حين قضى نتفا ….قد ذاق الشهادة قبلها مرات ومرات …..

وأعترف تقاذفني الندامى حتى تأرجحت بين الحقيقة والخيال ،لحد الدوخة والدوران …..
وتناوشتني أبياتهم بين مصدقة ومكذبة ،مكذبة حد الإلحاد بالحب ، وصحوت من سكرتي لأجدني فوق الأرض كريشة طائرة ، بل كقصلة قمح تعصف بها الريح ،لا أجد لروحي موئلا ….عندها صرخت وانفجرت كلماتي ، أينك ، أينك …
وبحثت عنك ، فوجدتك تناثرت حولي كنفحة من عطر ….أشمها ولا أراها….
كنسمة دافئة في ليلة شتاء طويل تنفحني بدفئها ولا أدرك مداها ….
ووجدتني ووجدتني ضائعة بين أبيات القصيد ، وفي دواوين الشعر …..انتظر على باب القصيدة ….فترقبني ….وأدركت حينها أن قصائد العاشقين ليست لنا …نقرأها نعم ، نترجمها للخلق نعم ، نعرفها ولا تعرفنا ، قصائدهم ليست على قدنا ، فآمنت أننا مكتوب علينا أن نعيش على هامش القصيدة ، وأن نبقى بين مد وجزر ، بين حر وبرد …نجمع في بوحنا كل المتناقضات ، ونصنع من جنوننا نفحات من فرح وبؤس ، أمل ويأس ، صخب وهمس ….وحينما أفقت من غفوتي اكتشفت أنني طليقة اللسان ، جربت الكلام فهمست أولا ، فإذا بالهمس بوح ….فسعدت .

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى