عقدة المواطن العربي تتنامى مع فرض الضرائب

عقدة المواطن العربي تتنامى مع فرض الضرائب
د. رشيد عبّاس

(سبحان الله عما يصفون) في عالمنا العربي قد يكون الوضع مختلف تماما, فكلما يهدأ بال المواطن العربي بين الفينة والاخرى قليلا, تأتي الحكومات العربية سامحها الله وتعمل على تعكير صفو مزاج هذا المواطن باتخاذ جملة من القرارات الجائرة والمستفزة والمتعلقة بفرض الضرائب, حتى بات المواطن العربي جاهز للاستنفار والاستعداد للخروج للشارع للتعبير عن معاناته التي يمر بها, والسؤال هنا هل الشعوب العربية فقط لديها عقدة فرض الضرائب من بين الشعوب الاخرى في هذا العالم ؟
الكثير من الشعوب في هذا العالم يتخوفوا من فرض الضرائب، وهناك العديد من الشعوب وقع عليها بالفعل فرض الضرائب، وهناك كثير من الحكومات تراجعت في لحظة ما عن فرض الضرائب التي سنّتها، ..قصص الحكومات مع فرض الضرائب قديمة جديدة في هذا العالم، ويمكن لنا الوقوف والتوقف قليلا عند بعض الاحداث التي وقعت في الماضي وتركت ذكريات أليمة في ذاكرة الشعوب، ففي فرنسا مثلا فُرضت ضرائب على تجار(الملح) وذلك في عهد الملك «فيليب السادس»، وتحديدا كانت هذه الضرائب قد أضّرت بالكثيرين من سكان مدينة لوبوي أون فلاي التي كانت تشتهر بالملح، مما حدث الكثير من التظاهر والفوضى في البلاد بسبب هذه الضريبة، مما جعل الملك فيليب يؤخر فرض تلك الضريبة نظرا لهذه الفوضى العارمة التي انتابت البلاد، ولكنه أقرها فعليا بعد ذلك بعد ان هدأت الأوضاع في البلاد بل واستمرت لفترة تفرض على تجار الملح.
في أمريكا كانت هناك ضرائب قد تم فرضها في عام 1919م من قبل الكونجرس الأمريكي على (المياه) الغازية، والضريبة كانت مستفزة إلى حد كبير حيث فرضت الدولة الأمريكية نسبة 10% على مبيعات المياه الغازية للشركات، الامر الذي زاد من سعر هذا المنتج على المواطن الأمريكي أيضا دون شك، وقد خصّصت هذه الضريبة من اجل التمويل الحربي لأمريكا آن ذاك، والغريب أن هذه الضرائب قد فُرضت على المياه الغازية في ذلك الحين في أمريكا على انها منتجات فاخرة، ولم يستمر الحال كثيرا بل انتفض الشعب الأمريكي والشركات المصنعة للمياه الغازية بالاعتراض، وقد وافق الكونجرس على إلغاء تلك الضريبة بعد ثلاث سنوات فقط من اقرارها.
في بريطانيا قام البرلمان البريطاني في عام 1733م بفرض ضرائب على (التبغ) و(النبيذ) بنسب باهظة، في مقابل أن يقلل الضرائب على الأرض والزراعة، مما جعل الاستنفار يسود شوارع لندن بقوة في ذلك الحين، ففي بداية الأمر واجهت الحكومة التذمر الناشئ من المتضررين، ولكن مع شدة الضغوط لم تجد سوى تأجيل الضريبة لحين أخر, وفي ظل الحرب التي اندلعت بين انجلترا وفرنسا في القرن الثالث عشر، فقد قرر البرلمان الانجليزي فرض ضرائب على أكياس (الصوف) من أجل تمويل الجيش الانجليزي في الحرب، لم يوافق التجار على هذه الضريبة بل أقاموا بمظاهرات اعتراضية كبرى في شوارع المدن، وقد توقف العمل لفترات ليست بالقليلة، مما أثر هذا على سوق الصوف ومبيعاته، لم يكن لدى الملك « إدوارد» آن ذاك إلا أن يقوم بإيقاف هذه الضريبة لكي تسير الأمور في هدوء.
وفي بادرة استفاد منها الشعب الانجليزي كثيرا في القرن التاسع عشر، حيث كان رئيس الوزراء الانجليزي «بنيامين» ليس محبوب لدى الشعب، فأراد أن يكون له شعبية لدى الشعب، فقد قام بتخفيض الضرائب الخاصة بـ(الشعير) على التجار الانجليزيين، الامر الذي ربما يؤدي هذا إلى التقليل من سعر الشعير على الشعب الانجليزي، هذا ما جعل الأمور تتحسن بالعلاقة بينه وبين شعب انجلترا آنذاك، وظلت هذه الضرائب مخفضة لأكثر من ثلاثين عاما، ولكن من ذكاء الحكومة أنها رفعت الضرائب المفروضة على العقارات والدخول بمكر لم يلاحظه محدودي الدخل وأصحاب التذمر المستمر.
في لبنان جاءت ثورة برائحة الجمال, حيث نزل الى الشوارع والميادين الفتيات مع الشباب جنبا الى جنب لمواجهة ما سعت اليه الحكومة من فرض ضرائب على (الاتصالات) عبر تطبيقات الهواتف الجوالة من بينها تطبيق واتساب, من اجل توفير مئتي مليون دولار سنويا, في الوقت الذي فيه كلفة الاتصالات في لبنان تعد من اعلى الدول في المنطقة, ويبدو ان الحكومة اللبنانية تراجعت عن هذه الضريبة, لكن ثورة برائحة الجمال سيخرج من اجلها جميع الشباب اللبناني, كيف لا وقد تابع العالم بأسره صلابة الفتاة اللبنانية وهي تطالب برحيل الحكومة اللبنانية, وربما رحيل الدولة, الامر الذي يدل على ان الفتاة اللبنانية تمتلك ثقافة الحياة الكريمة وتمتلك ادوات الثقافة السياسية بجميع مذاقاها ونكهاتها.
عادة ما تستدير الحكومات 180 درجة لفرض الضرائب على الشعوب لتغطية النفقات المتراكمة ولسد العجز الكبير الحاصل في الميزانيات, وهذا امر طبيعي تقوم به معظم دول العالم, لكن في عالمنا العربي مكياج الحكومات من النوع السيء والرديء, فمع اول حرارة انفاس الشعوب العربية (يسيح) هذا المكياج, فبحكم الصدفة يتزامن سبحان الله فرض الضرائب مع واقع الاوضاع الاقتصادية الصعبة لمثل هذه الدول, مع وجود جيوب فساد ادارية ومالية متغلغلة في مفاصل هذه الدول, ..من هنا باتت عقدة المواطن العربي تتنامى مع فرض (الضرائب) ليس الا.
بقي ان نقول, الحكومات العربية للأسف الشديد كالدجاجة التي ترقد على بيض ليس لها او (معها), وحين يفقس تلك البيض من تحتها, تذهب هي في جهة, وتذهب تلك الصيصان او الكتاكيت الصغيرة بألوانها في اتجاهات اخرى قائلة: ويص ويص ويص ويص…., وبعدها رقّع يا ابو الترقيع.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق