عصفور في اليد ولا عشرة على الشجرة !!

عصفور في اليد ولا عشرة على الشجرة !!
د. محمد يوسف المومني

هناك مثل عالمي مأثور ومشهور يقول لك : ((عصفور في اليد ولا عشرة على الشجرة))، ومع ذلك فكثير من الناس لا يقتنع بعصفوره الذي في يده وتتطلع عيناه للعصافير الأخرى التي على الشجرة طمعًا أو حبًا في الكسب والمغامرة أو ربما من باب الرغبة في التجديد بسبب الملل من العصفور القديم الذي في اليد!،
بعضهم لا يكتفي بالتطلع للعصافير العشرة التي على الشجرة بل قد تجده يحملق في طمع وحسد الى العصافير التي في أيدي الآخرين وهو يزدرد ريقه!!، فإن كان عصفوره من النوع العادي غير الملون وغير الشادي، أخذ ينظر لمن عصافيرهم ملونة وشادية قائلًا ومتسائلا في نفسه : (لماذا وماذا !!؟.. لماذا عصافيرهم بلابل ملونة ومغردة وعصفوري كالبومة قبيح المنظر كريه الريح!!؟؟)(هؤلاء أحسن منّي في ماذا حتى يكون لهم كل هذا!؟)….وهكذا يظل (صاحبنا) يتحسر وينظر الى عصفوره بإزدراء متمنيًا أن يتخلص منه ويحصل على عصفور آخر جديد وغرِّيد من أحد العصافير التي على الشجرة او حتى تلك التي في أيدي الآخرين!، وفي مثل هذه الأحوال يختلطُ في النفس الأمارة بالسوء الطموح الشخصي، بالطمع، بالحسد، بعدم القناعة ، ومن ثم تغدو حياة هذا الإنسان (المرء أو المرأة) كما لو أنها جحيمٌ لا يطاق متسائلًا في نفسه بحزن وأسف، قائلًا في ضيق وتأفف : ( ما هذا العصفور الأجرب الذي تورطت فيه!!!؟؟) …. وهنا يبدأ التحرك الفعلي لنيل عصفور آخر جديد من العصافير التي على الشجرة، ودع عنك هنا العصافير التي في حيازة وأيدي الآخرين فتلك قصة أخرى!، الا أنني لاحظتُ من خلال تجاربي في الحياة أن طريقة الرجال على العموم في صيد العصافير التي على الشجرة تختلف عن طريقة النساء على العموم، فالمرأة اشد ذكاءًا ودهاءًا ومكرًا وتريثًا في هذه الناحية!!.
(1) طريقة الرجال!
الرجل حينما يملُّ من عصفوره الذي في يده أو حينما تقع عيناه على أحد العصافير العشرة التي على الشجرة ويقع في غرامه بشدة وهيام، غرامًا يأسر قلبه ويسحر لُبّه ويزْهِّده في عصفوره القديم الذي في يده فإنه – في الغالب – تتبلبل أفكاره ويتسرع في قراره فيطلق العصفور الذي في يده على الفور وهو يتمتم في سره: ( في ستين ألف داهية !!) ، ثم يندفع في لهفة وسرور نحو الشجرة ليتسلقها بشكل جنوني وبطريقة متهورة فتكون النتيجة في الغالب أما أن يفقد توازنه فيسقط اثناء تسلقه السريع للشجرة ويهوي على الأرض وتنكسر احدى عظامه لينتهي الأمر به في (سين وجيم) و(قيل وقال) وكثرة السؤال!!، أو أن العصافير العشرة ترتعب من منظره وهو في حالة يرثى لها من الطمع والجشع ومن مشهد قدومه وهجومه المفاجئ عليها فتطيّر في الهواء على بكرة ابيها، وتتركه هناك فوق الشجرة مصدومًا وملومًا مخذولا!!، فلا يحصل على احداها ولا يستعيد عصفوره القديم الذي فرط فيه فطار بعيدًا واختفى!، وفي النهاية نراه جالسًا هناك تحت الشجرة، وحيدًا، خالي الوفاض، تارة يلطم الخدود ويشق الجيوب ويخبطُ كفًا بكف في حسرة، وتارة أخرى نراه يلتهم أظافره ويعض على اصابعه من شدة الندم!!، وتمر عليه الأيام وهو مصدوم مهموم وملوم يستمع لأغنية (قارئة الفنجان) خصوصًا المقطع الذي يقول فيه المطرب بصوت حزين يشبه الأنين :
وسترجـــع يوماً يا ولـــدي مهـزومًا مكســور الوجــدان
وستعرف بعد رحيل العمر بأنك كنت تطارد خيط دخان!!
وهكذا، والحال هذه ، فإما أن يقضي (صاحبنا) بقية عمره يُؤلف شعرًا أو يغني بصوت حزين : (يا ليل يا عين) !!، أو يشتغل بالفلسفة او السياسة متظاهرًا بأنه رجل حكيم صاحب تجربة في الحياة بتأريخ رجعي أو مع وقف التنفيذ!!.
(2) طريقة النساء !!
وأما المرأة حينما تملَّ من عصفورها (القديم) الذي بيدها او تقع في غرام احد العصافير التي على الشجرة فلا تندفع خبط عشواء ولا تطلق الطير الذي في يدها في الهواء كما يفعل الرجل في الغالب بتهور عجيب وتسرع غريب في لحظة هوجاء!، بل تضع عصفورها القديم في جيبها وتغلق عليه الجيب بالسَّحّاب!!، ثم تمضي نحو الشجرة – خطوة خطوة – بهدوء ودلال وهي تمر مر السحاب!، وتتسلق الشجرة ببطء شديد بسلاسة الأفعى كي لا تثير القلق والارتياب، متظاهرة بأنها لا تنظر للعصافير بل لجمال الشجرة الخلاب وإلى أغصانها وأوراقها بكل اهتمام واعجاب!، وتظل على هذا الحال وعلى هذا المنوال من التحرك الهادئ والماكر حتى تضع يدها على العصفور الذي تريده، فتحمله في قبضتها وتنزل به من على ظهر الشجرة وتأخذ تتفحصه بعناية من جميع النواحي، فإذا اعجبها ووجدت أنه بالفعل خير من عصفورها القديم امتلكته بكل سرورها وتخلصت من عصفورها السابق، واذا لم تجده كما تصورتْ وتوقعت – عن بعد – وقبل المعاينة – فإنها تسارع بخلعه واطلاق سراحه وتتخلص منه أو – في بعض الحالات – تقوم بنتف ريشه أو ربما تذبحه على غير قبلة وهي تمتم : (في ستين ألف داهية)!، ثم تفتح سحاب جيبها واتخرج عصفورها الاول القديم وتأخذ تداعبه برقة وحنان وتدلله وتلاطفه كأن شيئًا ما كان!، وهي تغني له في دلال بصوت رخيم بأعذب الألحان: ( يا عصفوري الحبيب، يا طيري العجيب !!) فينفش على الفور ذلك العصفور ريشه كالطاووس من شدة الاهتياج والغرور ويرقص بكل ابتهاج وسرور!!.
أما بعد ، زميلي العصفور في نقابة الذكور، فهذه هي طريقة المرأة العتيدة في صيد العصافير العديدة وتلك طريقة الرجل (المتهور) على ما هو معروف ومشهور منذ قرون بل منذ دهور!، فتعلّم حين تتألم قبل أن تتكلم!، وإلا فالويل والثبور وعظائم الأمور!، إلا إذا كنت من أصحاب الحظ الميمون والسحر المكنون!، فذلك شيءٌ قد يختلف عن كل هذا الذي جاء في ذاك المضمون!، ولله في خلقه شؤون، والحديث ذو شجون!.
د. محمد يوسف المومني

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى