عبد الله التل بطل معركة القدس

عبد الله التل بطل معركة القدس
موسى العدوان

عبد الله التل – رحمه الله – هو أحد القادة الأردنيين، الذين لعبوا دورا بطوليا، وصنعوا تاريخا عسكريا مشرفا، في حرب الأردن مع إسرائيل في فلسطين عام 1948. وقد دخل القدس على رأس الكتيبة السادسة، لتطهير المدينة المقدسة من العصابات اليهودية، التي كانت تقوم بهجمات متكررة عليها محاولة احتلالها.

ونتيجة لما تحلى به النقيب عبد الله التل من كفاءة عسكرية وحنكة سياسية، فقد برز اسمه على الساحة العربية والدولية، وأصبحت إنجازاته العسكرية وتصريحاته السياسية، تتصدر الجرائد العربية والعالمية، فاستحق لذلك لقب ” بطل معركة القدس “.

استطاع عبد الله بإنجازاته المميزة أن ينفذ إلى قلب جلالة الملك عبد الله بن الحسين – رحمه الله – فمنحه أربع ترقيات في أقل من ست سنوات. وكان آخر منصب تولاه برتبة عميد، قائدا للقوات العربية ثم حاكما عسكريا لمدينة القدس. وحسب اعتقاده فقد كان تعيينه في المنصب الأخير، محاولة من الجنرال كلوب رئيس أركان الجيش العربي، لإبعاده عن قيادة القوات العربية في القدس وتحديد صلاحياته.

لم يقبل عبد الله بمنصب الحاكم العسكري للقدس، إلا بعد أن طلبه الملك عبد الله وخاطبه قائلا : ” أنت تعود للجيش إذا حاول اليهود الاعتداء على القدس، ولا أقبل لك عذرا في الاختلاف مع قائد الجيش، والضباط الإنجليز من ضيوفنا “. فاستجاب عبد الله التل لأمر الملك.

وعندها كتب الرسالة التالية إلى رئيس الأركان : ” إنني كحاكم عسكري للقدسن أعتبر أن مسؤوليتي نفس مسؤولية الحاكم العسكري الإنجليزي في برلين. فإذا لم تخول لي نفس الصلاحية التي يتمتع بها ذلك الحاكم، فإنني لا أستطيع تحمل المسؤولية الجسيمة أمام الله والأمة والملك. وإذا تعذر تلبية طلبي فإنني أرجو إعفائي من الخدمة، ولن أعجز عن خدمة الوطن والملك، بما يرتاح إليه ضميري وفي غير هذا المجال “. وعندما عاد عبد الله إلى القدس مساء يوم الجمعة 1 / 10 / 1948، أذاع على أهل القدس البيان التالي :

” يا أهل القدس الكرام،

لقد غبت عنكم ولكن من أجلكم، والآن أعود باسم الله والملك والشعب حاكما عسكريا للقدس الشريف. وإني لا أخاطبكم بلغة الحكام، بل كصديق عرف جراحكم، وسيحاول ما استطاع تضميدها.

أيها القوم،

إني لا أتنبأ عن المستقبل ولا أقرأ الغيب، ولكني واثق من أنكم أقوياء، ستعيدون بناء فلسطين وسنعاونكم على بنائها، وأنتم طليعة المجاهدين الذين ثبتوا، فأوصيكم بالصبر ثم الصبر. أما أنا فمنكم وإليكم، فامهلوني قليلا لأعيد تشكيل الجهاز الإداري، الذي سيوفر لكم لوازمكم. وإني أعدكم بمحاربة الاستغلال وعَبَدة النقود، كما أحارب اليهود، والله الموفق على كل حال “.

ومع أن عبد الله التل أدى واجبه العسكري والسياسي، في المواقع التي أشغلها خلال الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948، إلا أن النتائج العامة للحرب، وضياع جزء كبير من فلسطين، وقيام دولة إسرائيل على أشلائه، فقد تركت طابعا حزينا في تفكيره واتجاهاته المستقبلية.

فقدم عبد الله استقالته كحاكم عسكري للقدس، وحاول الملك عبد الله استرضائه، بمنحة ترقية جديدة لكي يعود عن استقالته، إلا أنه رفض هذا العرض وهاجر إلى مصر، حيث أمضى فيها 16 عاما كلاجئ سياسي، مواصلا عمله الجاد والمخلص، في نشر رسالته القومية للعرب والمسلمين، من خلال محاضراته ولقاءاته الصحفية.

وإن كانت شهادة العدو هي التقييم الحقيقي لعدوه المقابل، فقد كانت شهادة الجنرال موشي ديان، التي أفرد لها فصلا كاملا في مذكراته عن عبد الله التل، تحت عنوان ” صديقي العدو “، أكبر دليل على القدرات العسكرية والسياسية والوطنية التي اتصف بها عبد الله التل، اقتطف منها التالي :

“عندما قابلت عبد الله التل، ترك انطباعا في نفسي، بأنه كان متفوقا جدا على الضباط والسياسيين العرب الآخرين، الذين واجهتهم في تلك الفترة. فقد كان عبد الله التل يكره المسئولين الإنجليز الذين كانوا الحكام الحقيقيين في عمان. وكان يحتقر أصدقاءه الذين كانوا يتملقون وينافقون لهم “.

( When I met, El- Tel impressed me as being far superior to other Arab officers and political functionaries I had encountered in that period. Incidentally, he hated the British officials who were the real rulers In Amman, and was contemptuous of his friends who toadied to them ).

أما اللواء صادق الشرع- رحمه الله – والذي عاصر تلك الحرب – فقد تساءل في كتابه بعنوان” حروبنا مع إسرائيل : ” لماذا وقع اللواء لاش الإنجليزي، على اتفاقية هداسا، والتي سمحت لليهود بنقل المؤن وتبديل الحرس عبر الخطوط الأردنية، فاستغلها اليهود لنقل الذخائر والأسلحة إلى هداسا في القدس القديمة، نيابة عن الحكومة الأردنية، وإلزامها بشروط معينة، بدلا من وكيل القائد عبد الله التل، المخول من قبل الحكومة بتوقيع الاتفاقيات ؟ ولكنني لم أجد جوابا مقنعا لهذا التساؤل.

عاد عبد التل إلى الأردن بعد أن أصدر – الملك حسين رحمه الله – قانون العفو العام في ابريل / نيسان 1965، ليعيش بين أهله وذويه، ثم أصبح عضوا في المؤتمر الإسلامي العالمي. وفي أواخر عام 1970 عُين محافظا في وزارة الداخلية، ثم عضوا في مجلس الأعيان عام 1971، إلى أن توفي عام 1973.

وفي هذه الأيام التي أصبحت بها القدس عاصمة لإسرائيل، وقُطعت الأراضي الفلسطينية كبؤر استيطانية يهودية، ويتبعها التهديد بضم غور الأردن إلى الكيان الصهيوني، أشعر بأن روح عبد الله التل ورفاقه الشهداء ترفرف فوق رؤوسنا، تلعن كل من قصّر في حماية مدينة القدس والأراضي الفلسطينية المقدّسة، من الأمتين العربية والإسلامية، وندعو الله أن يُسكن عبد الله التل وجميع الشهداء والمجاهدين في جنات الخلد.

التاريخ : 1 / 7 / 2020

المراجع :
– كتاب عبد الله التل بطل معركة القدس ج1 / الدكتور أحمد يوسف التل.
– كتاب حروبنا مع إسرائيل / اللواء الركن صادق الشرع.
– موشي ديان / قصة حياتي. STORY OF MY LIFE

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق