عامل النظافة حسنين الأسيوطي / د.محمود الحموري

عامل النظافة حسنين الأسيوطي

حسنين عامل النظافة “عامل وطن” يعرفه سكان الحي بالزبال أبو احمد, وهو رجل خمسيني من اسيوط في صعيد مصر, فتح الله عليه جزاء خدمته في حي الضباط القابع إلى الشمال من قصر العدل في اربد المدينة. حسنين عامل نشيط, يكنس الشارع كل صباح, يلم القمامة من أكياس مهترءة, ويتحتمل انفلات القمامة لهشاشتها لكنه يلملمها، كلما زاد نبشها بفعل القطط’ الباحثة عن بقايا طعام في أكياسها’, وانتثر بعض ما فيها على مداخل المنازل وفي الشارع وفوق الأرصفة !
مهام حسنين صعبة, لكنه عامل نشيط, يأتي في الصباح مع طلوع الشمس, ينظم ما يجمع في عربته المتهالكة, وينقلها بحرفية للحاويات العديدة في شوارع حينا العتيق. يصعب على حسنين المشهد مع إقتراب مواسم قطاف الزيتون من السنة, لتزداد معاناة حسنين بسبب الزيادة الطارئة في أعماله, ولا يتذمر جهرا, أو ينبس ببنت شفه, لكنه يتألم ! حسنين يخدم حينا بأمانة منذ عقد من الزمن بكل كفاءة واقتدار, ولا يتوانى في تنفيذ ما قد يطلب منه من مسائل خدمية. بعض النساء في الحي يقدرن جهد حسنين ويتعاطفن معه, وبعضهن يزودنه بكأس من الشاي, يشربها على الأرصفة خارج الأسوار. تتعامل الخادمات في بعض البيوت مع حسنين بتعال, لتداخل المهام الموكلة لهن وله في الاختصاص, لكنه لا يبالى، ويبدو أنه لا يضيق ذرعا بمهامه. مهمة حسنين دقيقة وضرورية، ولو غاب لأمر ما يمتلئ الحي بالقمامة حيث يترفع أغلب السكان عن القيام بواجبهم !
حسنين لا تشغله السياسة ولا حكم السيسي لمصر ولا وفاة الرئيس محمد مرسي، ولا يأبه بما يحصل في سيناء, ولا يعلم حتى تفاصيل ماذا كان يدور في مصر من أحداث أثناء ثورة يناير, حيث لم يكن يتابع أخبار المظاهرات بميادين مصر المحروسة، وقد سألته يوما بعد تنحي الرئيس حسني مبارك عن رأيه في احداث بلده، فأجاب بعدم اكتراث وقال: حاميها حراميها, الله يجيب اللي فيه الخير يا بيه.

نحن في بلدنا، اغلب الخدمات يقدمها لنا مصريون وأسيويون وافارقة, بمعنى أننا نستخدم غيرنا، فأراضينا تفلح بالوافدين ومطاعمنا تدار بالتنفيذ والنكهة من وافدين. سيارتنا يغسلها الوافدون، وكذلك محطات البترول ومحلات بيع الدجاج وبيع اللحوم…
منازل السادة والسيدات لشرائح واسعة من طبقاتنا العليا و الوسطى, تصان وتنظف بسواعد خادمات, أغلبهن مولودات في ركن بعيد من العالم الثالث الفقير ! في بيوتنا خادمات, لأطفالنا مربيات حاضنات, ولحوائج كهولنا وصيفات. أما نحن فمحتارون, أو متسائلون, هل اقتصادنا في غرف الإنعاش أم في غرف العمليات ؟ وهل نحن مجتمع فيه تشوهات بنيوية, تحتاج لتصويب وإصلاح ! وما هي أول خطوة ضرورية وملحة, كي يخدم مجتمعنا الأردني نفسه, لئلا نكون عالة على خدمة الوافدين. لقد أصبح مجتمعنا أو يكاد, مجتمع بلا أقدام ! فهل آن لحكوماتنا الرشيدة أن تبدأ خطوات عملية ترشدنا لتحمل المسؤولية, وخدمة نفسنا او بعضنا البعض.
لقد عمر الآباء الأرض أكثر منا, بالغرس و زراعة التين و الزيتون والقمح…, ونقول لدينا بطالة و فقر، وربما جوع قل أو كثر ولكن، لدينا أيضا’ ثقافة العزوف عن بعض الأعمال ونعتبرها معيبة و مسيئة لشخوصنا وأبنائنا وربما لعشائرنا، فهل يصار إلى تقليص العقود و من ثم إيقافها على مراحل زمنية.
قد يحتاج المجتمع لخدمات محددة ومحسوبة, ليس لترف السيدات والسادة فيها نصيب, ومنطلقات لمظاهر لا طائل منها، وبهذا قد نحتاج لقيادات إداريه جريئة لتصويب الأمر.
ليس هنالك إحصائية دقيقة للوافدين, لكن بعض الإحصائيات الجديدة تشير إلى وجود اكثر من مليونين، متمنيا’ أن يكون بعضهم كما حسنين الأسيوطي ‘أبو احمد الزبال’ في الجهد والصدق والإخلاص والمسلك !

طوبى لعامل الوطن والنظافة حسنين الأسيوطي, وشكراً لكم أيها الوافدون ولخدماتكم الجليلة، نقدر عاليا مهاراتكم, ومبارك عليكم تحويلاتهم من الدينار إلى عملاتكم والعملات الصعبة, مقابل جهدكم وعرق جبينكم, نغبطكم ولا نحسدكم. ونقول لأبنائنا بكل ثقة وروية: لا يوجد في العمل أعمال رفيعة و أخرى هابطه, فالرفيع فينا هو الذي يعمل والوضيع فينا هو العالة على جهد ألآخرين, وينتظر أن تمطر عليه السماء ذهبا وفضة.
حسنين قدوة للعامل المخلص وعنده وفاء لمهمته الجليلة, ويقدم لنا النموذج الأوفى بالإنجاز والصبر, ومثل حسنين الأسيوطي حقيق بالثناء والإشادة، فقد زوج أبناءه وبنى لهم منزل متواضع في صعيد مصر بجهده وعرق جبينه، فله منا كل الاحترام وله منا الثناء وحسن الوفادة.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى