
اللقمة الخامسة
يتفقد (حسام) إخوته ليلاً و يغطيهم ؛ ينظر إلى وجوههم التي أكلها الفقر و الحرمان ..يخفي دموعه و يذهب إلى أمّه في المطبخ و يقول لها و هو يداعبها : و لايهمك يا (أُم الحُسم) بكرا من الصبح رايح أشد حالي أكثر في الشغل و أزيد الغلة و أشتري لأحمد البوط ..و بعد أسبوع أشتري لمنال البنطلون اللي وعدتها فيه من شهرين ..و الأسبوع اللي بعده أشتري لفؤاد (الفطبول أبو ليرة ونص) ..و آخر الشهر أشتريلك اللي نفسك فيه يا ست الحبايب ..! و قبّل يدها المملوءة برغوة سائل الجلي ؛ فقبلته و قالت له : أنا ما بدي شي يما ..أهم شي إخوانك ..
يقف حسام على إشارة ضوئية وبيده مجموعة من الورود ..و ينتظرها لتصبح حمراء ؛ ليسرع بأدب و خضوع إلى نوافذ السيارات ..الغالبية لا تريد ..ولكنّ هناك قسم من الواقفين على الاشارة بسياراتهم (يفاوضون ..يفاصلون ) يصبحون لحظتها (تجاراً محترفين ) ..كانوا قبل قليل يسرفون بالصرف ..كانوا بالأمس يقيمون الولائم بمئات الدنانير وبلا (مفاصلة أو تفاوض) ..كانوا أوّل أمس يدفعون حساب معلبات قطّة أو كلب ..ولكنهم عندما وقف حسام عند نوافذ سياراتهم صاروا يفاوضونه على (الدينار) ثمن الوردة أو ثمن اللعبة أو ثمن (الأي شيء).. ورغم أن حساماً ينتظر دينارهم كاملاً بلا نقصان ليبيع عشرين أو ثلاثين قطعة في اليوم ..إلا أنهم ينجحون في أخذ القطعة أو القطعتين بنصف دينار ..و ينظر الشاري إلى صاحبته أو صديقه أو زوجته و يسألها عن رأيها فيه وكيف استطاع المفاصلة و الشراء من الفقير بسعر يقارب المجان ..ويعيش نشوته الكبرى في الخصم الذي حققه ولا يعلم أنه خصم الخصم من أحلام حسام ..و أن خصمه كان على حساب تأجيل بوط أحمد ..و تأجيل بنطلون منال..وأنه نجح في تأجيل شراء فطبول فؤاء أبو الليرة ونص ..!
يا من تتشاطرون على آلام الفقراء وهم يرفضون التسوّل و يتطلعون لتحقيق أحلامهم الصغيرة ببيع ما استطاعوا بيعه ..إن كنتم (شاطرين ) و بكم (احتراف المفاصلة) فتفضلوا ..هذه بضاعة الحيتان الكبار الذين يحتكرون دواءنا و غذاءنا ..فتقدموا و فاوضوهم على تخفيض الأسعار لكي لا (نشرق أو نغص) باللقمة الرابعة و الأخيرة كل يوم ونحن نسأل أنفسنا : متى تأتي اللقمة الخامسة دون عذاب..؟؟؟ –


