صورة من بطولات الجيش العربي على ثرى الأرض المقدّسة

صورة من بطولات الجيش العربي على ثرى الأرض المقدّسة
موسى العدوان

كثير من أبناء هذا الجيل لم يقرأوا ولم يعرفوا عن البطولات والتضحيات الفردية، التي قدمها ضباط وأفراد الجيش العربي الأردني على ثرى فلسطين، بسبب النقص في التوجيه الوطني، إضافة لعدم اهتمام الجيل بتاريخه، متناسين مقولة : ” من لا تاريخ له لا حاضر ولا مستقبل له “.

وهنا سأورد باختصار إحدى القصص التي وردت في كتاب ” أيام لا تُنسى ” لمؤلفه سليمان الموسى، والذي كتب به صفحات مما جرى على الصعيد العسكري في حرب 1948.

كانت تلة الرادار تعتبر مفتاحا لقطاع القدس، وكان وجود العدو فيها يشكل خطرا دائما على رام الله وعلى الطريق الرئيسية الممتدة بينها وبين القدس. ومن هنا كانت أولوية قيادة الجيش العربي العمل على احتلالها مبكرا. وعند العصر يوم 25 أيار 1948 جمع قائد الكتيبة (هـ. سي. بلاكدن ) قادة السرايا وأبلغهم بصدور الأوامر لمهاجمة موقع الرادار. وعندئذ تطوع الملازم سلامه عتيق للقيام بالعملية قائلا: إنه يطلب من قائد الكتيبة أن يهدي إليه هذا الواجب المقدس.

كان العدو يحتل موقع الرادار بقوة سرية تقريبا من لواء هارل جيد التدريب. وكان الموقع شديد الانحدار ومحصنا بالأسلاك الشائكة، وزُرعت الطريق إليه بألغام ضد المصفحات، كما زُرعت الألغام ضد الأفراد أيضا أمام الموقع، وأقيمت بها التحصينات والحواجز الإسمنتية. بدأت السرية الرابعة عملية الهجوم على موقع الرادار الساعة 03:45 صباح يوم 26 أيار، بعد أن قامت المدفعية والهاونات بالقصف التمهيدي لمدة 9 دقائق، يساندها 4 مدرعات تغطي زحف المشاة.

وصل أول جندي إلى حاجز الأسلاك الشائكة وأعمل القص فيها، ولكن لم تلبث أن أصابته رصاصة فسقط شهيدا على الأرض. استحكم العريف عودة النهري إلى جانب جثة رفيقه، وألهب خنادق العدو المقابلة بنار رشاشه، بينما تقدم آخرون لمواصلة قص الأسلاك الشائكة لفتح ثغرات فيها، تحت إطلاق نار كثيف مع انفجارات للقنابل اليدوية، بمواجهة مقاومة عنيفة. توقفت إحدى الفئات المهاجمة قليلا أمام شدة المقاومة. تقدم قائد السرية ليستطلع الموقف، فأصابته شظية كسرت ساقه.

لقد أبدى جنود السرية الرابعة جرأة نادرة، مقتدين ببسالة وإقدام قائدهم، الذي كان في طليعة جنوده خلال الاقتحام. وعندما أصيب في ساقه أراد جنوده أن يحملوه ويعيدوه إلى الوراء لتلقي الإسعافات الطبية، ولكنه رفض أن يغادر المكان الذي سقط فيه، إلا بعد أن يتم احتلال موقع العدو وتطهيره.

في الساعة 04:30 اندفع أفراد إحدى الفئات إلى داخل موقع العدو، واشتبكوا مع جنوده في قتال عنيف بالسلاح الأبيض. حتى اضطروهم للفرار من الموقع. وكان قائد السرية قد زحف إلى الأمام على يديه ورجله السليمة ويجر ساقه المكسورة، حتى وصل إلى قلب الموقع المحتل، وأطلق شارة التنوير بنفسه، إشعارا باحتلال الهدف. وبعد ذلك رفض أن يحمله رفاقه لتلقي الإسعاف، إلا بعد أن يتم إخلاء جميع الجرحى من أفراد سريته.

كانت نتيجة المعركة احتلال تلة الرادار ومقتل 13 جنديا من العدو عدا الجرحى. وخسرت السرية 5 شهداء و16 جريحا، من بينهم قائد السرية سلامه عتيق ومساعده الوكيل سليمان جراد.

* * *
التعليق :
1. الدرس العظيم الذي برز في هذه المعركة أن قوة صغيرة تهاجم وتتغلب على قوة مدافعة بنفس الحجم. فالمعروف في المبادئ العسكرية، أن المهاجم يجب أن يكون ثلاثة أضعاف المدافع، أي أن سرية العدو المدافعة تحتاج إلى كتيبة لمهاجمتها، لأنها متخندقة في مواقع دفاعية على قمة مرتفع تعززها التحصينات والألغام. وهذا يثبت أن القوة المؤمنة بالله، وبعدالة قضيتها، والمصممة على تحقيق هدفها، سيكتب الله لها النصر.

2. هل يعلم أبطال الخطابات وأصحاب الأيدي الطويلة عن أولئك الأبطال، الذين ترجموا حب الوطن بالعرق والدماء، ولكنهم يُنسون اليوم ؟ رحمهم الله جميعا وأسكنهم فسيح جناته.

3. لماذا لا تُخلد أسماؤهم مع أقرانهم في مواقع بارزة من قلب العاصمة، مع ذكر موجز لأعمالهم البطولية، ليتعرف عليها من يرتاد عمان من داخل البلاد أو خارجها ؟

4. هل تعلم القيادة العامة ممثلة بالتوجيه المعنوي، إن كان قد بقي من المحاربين القدامى في حرب 1948 أي منهم على قيد الحياة، ليجري تكريمهم ؟ آمل أن يتم ذلك . . !

التاريخ : 8 / 8 / 2019
٥١

الوسوم
اظهر المزيد

تعليق واحد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى