شقيقتي نوفة / منصور ضيف الله

شقيقتي نوفة

اليوم جمعة ، الجميع يقدم باقة ورد ، ينحني بأدب جم ثم يمضي . أما شقيقك فسيقدم نفسه بلا استهلالات ، بصراحة شديدة ، سيبحر فيه الكلام ، وتاخذه الافكار ، وتتوه به المعاني . وليس شرطا أن ينجح ، ولا ان تتلاطم الأكف ، فالرسالة شخصية ، وأنت محاطة برجال ، ولو كان الوصول سهلا لجذبتك ، ووضعت رأسي على كتفك ، ورحت في نشيج عميق . أأقول لك سرا ، لم أنم البارحة ، كانت الشجون تتبادر ، وكنت أمسحها ، أحاول أن أخفيها ثم امسحها . وكنت أرتاح ، شيء ما يغادر معها ، ثم لا يلبث أن يتعاظم اخرى ويخنقني . كانت ليلة صعبة أعادت لي شيئا من الماضي والحاضر ، بعض طعمه ونكهته وأسراره .

في اوائل السبعيات أقامت وزراة التربية احتفالا على شرف أوائل المملكة ، وكان ذوقان الهنداوي وزيرا ، وكنت العاشرة ، تربانية جاءت من عمق الصحراء ، تفوقت على أبناء المدن ، والنخب . وكنت حاضرا . طفلا يرقب ، وعندما أذاعوا اسمك وكان بدويا قحا ، نظر إليك الجميع ، علتهم الدهشة والاستغراب ، كنت سمراء ، لم يكن من أناقتك سوى قرنان أشعثان ، وملابس ما تكون إلى الرثاثة أقرب ، وضجت القاعة بالتصفيق ، وطال التصفيق ، كان بود الوزير لو يقبل رأسك . لقد هزمتهم ، هزمت ما كان ينمو فيهم على حين غرة ، وما نعاني منه اليوم وندفع ثمنه غاليا . كان الأردن غير ، وكانت عمان صبية ، وكنا مواطنين .

دخلت الأردنية ، وتخرجت منها قسم اللغة العربية ، الثانية على الدفعة ، لم يجتزك سوى الدكتور يوسف أبو العدوس . ذهبوا إلى وزارات نافذة ، إلى مواقع تجني لهم مجدا ومالا ، ولأنك انثى ، لم تلوثك المدينة ، ولم تقتل طهارة بداوتك ، ذهبت إلى وزارة التربية ، معلمة لم تهنأ لحظة بمنصب أو كرسي ، وضاع العمر يا نوفة .
حتى الدراسات العليا ضاعت ، مجرد ان أفصحت عن رغبتك بها ، اجتمع مجلس العشيرة ، وقرروا ذات ليلة بهيمة : كفاية . وتبخر حلم الدكتوراة . ااقول سرا ، بالله عليك لا تنزعجي منه ، ولا تغضبي مني ، عندما تقدم أحد الأشراف ، وكان ابن العم أولى ، وحدث ما حدث . لست اجرحك يا شقيقتي ، ولا أريد ، وأنا المجروح ، المطعون حتى القرار ، كنت أخبر الناس بي ، رافقت طفولتي ، وعرفت حجم شقائها ، رافقت شبابي ورأيت كم المعاناة والالم ، أظنك تذكرين ليالي دوار جبل اللويبدة ونحن نشق الدرب بصمت ، وأظنك ما زلت تذكرين صباحات جيل الحسين ، وساعات الانتظار ، وقبح الحاجة ولؤمها . أطلت يا شقيقتي ، أخذني الكلام في مسارب لم أردها ، وضاع ما اردته ، تاه في زحمة الألم .

يقولون اليوم الجمعة ، خيوط الصباح تغتال نومهم ، ودقات الساعة تعلن مواعيد قادمات ، وانا يا شقيقتي وحيد ، تتلفعني حبائل مكينة ، وتتداخلني حدائد سنينة ، تغور في اللحم الطري ، وتستقر عميقا . لم يعد الشرب يكفي ، ولا السلوان يجدي ، يضيع مني ما تبقى ، ويتوه في ما عزمته ، فأهرب إليك . أتكوم بين يديك ، فناشديهم أن يطلقوا قيدي ، ويفكوا سراحي ، ناشديهم ، تسللي اليهم ، اقحمي سحرهم ، اغزي قوتهم ، حلي حبالتهم .
ألسنا مذ وجد الوجود واحد ، شاردان في هالة شاردة . نجمان في غيمة باردة ، و ( واحدان ) في حكمة غابرة . ناشديهم لعلهم يسمعون .

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق