سياطُ الحِرمان / د. سمير أيوب

سياطُ الحِرمان
ثرثراتٌ في الحب
من مكانٍ ما في وطنِ العرب ، كتَبَتْ تقول : ﻟﻘﺪ ﺗَﺮﻙَ ليَ ﺛﺮﻭﺓً من ﺬﻛﺮﻳﺎﺕِ ما قبلَ الزواج ، كنا نخطط فيها لتأسيس الكثير من ﻣﺸﺎﺭﻳﻊ الحياة . اعتقل قبل سنواتٍ عشر ، بعد أقلِّ من شهر من زواجنا .
في السنة الاولى لِتَغْييبِه ، لم أكن أفكِّرُ بِجسدي إلا لِماما . كنتُ راضيةً بأنَّ حبيبي قد أنقذ جسده ، وبقي الأمل بتحريره طازَجاً . صبرتُ لعلَّ بعضا من طيور الرعد تَحلّها ، أو أن يجعل خالق الكون لنا مخرجا . ولكن بعد صدور حُكْمِ المؤبَّد المُكرَّر عليه ، باتَ الفرجُ بعيداً . لا يلوح في الأفق أية إشارة إلى حريته .
ما أن تجاوزتُ عتبة الأربعين من عمري ، باتت وحوش جسدي تهاجمني تدريجياً . في السنة الأخيرة صارت هجماتها عنيفة وكثيرة . وبات ما أخْتَزِنُ من روائحِ زوجي يُصيبني بالدوار . لم تَعُدْ تتركني وشأني ، بل تستحوذ على تفكيري وشعوري وتدبيري . عندما أقابل الناس وخاصة عندما أزور زوجي في معتقله ، أشعر أنّ جسدي مفضوحُ الحِرمان . فأتساءل بعدها بيني وبين نفسي : أيُحدِثُ الفقدُ كلَّ هذا في جسدٍ فَتيٍّ عَفِيٍّ ؟ هل ما صِرتُ إليه خيانة ؟ أم أنه ضربٌ من الجنون ؟ ما أقسى صراع الأضداد هذا ، إنه يمزقني بلا رحمة او شفقة .
بعد اعتقال زوجي بسنة أُصِبْتُ بارتفاعِ نسبة هرمون الأمومة ، بتّ وأنا التي لم تُرزق بولدٍ ، كلَّما رأيتُ طفلاً أشعر بالاختناق ، وينطلق الحليب من ثَدْيَيَّ حتى يُبلِّل ثيابي . ولأني ممن لا يناسبهم الخضوع لقوى الجسد ، راجعتُ مُختصَّاً . أُصِبْتُ بقشعريرةٍ جعلتني أرتجف ، حين أخبرني أنَّ كلَّ شيءٍ سيعودُ إلى ما كان عليه بعد عودة زوجي .
بعدها بسنة أخرى ، عانيتُ من اضطرابات هرمونية حادَّةٍ ، تسبَّبَت في خللٍ بدورتي الشهرية . فعدت إلى الطبيب مُجدَّداً . واستشرت إخصائيتين نفسيتين . أصابني ما سمعت منهما ، بدوار رافقه نوبةُ بكاءٍ حادَّةٍ . أيقَظَتْني من أحلامٍ مُنتهيةِ الصلاحية .
باتَ اللمس هو الطريقة الأكثر تعبيرا في حياتي . إمتلكت دبدوبا صغيرا بُنيَّ اللون . صار شريك مخدتي في الضم والملامسة والبوح . صرت أعيش مع احتياجاتي الفطرية خديعة ساذجة متعددة الابعاد ، مع نفسي وزوجي ودبدوبي الصغير ، دون شعور كبير بالذنب ، لأن عزائي كان استطاعتي إنقاذ كرامتي من الدمار ، فتلك لم أمنحها لأيٍّ من العابرين .
ولكني مع الوقت بتُّ مدينةً مرَّ عليها اعصار أهلك الكثيرَ من الجميلِ فيها . حاولت في زمن النكران والتنكر ، تمويهَ ﺩَﻣﺎﺭيَ ﺍﻟﺪّﺍﺧﻠﻲ عن الجميع . سارعتُ الى ﺇﻋﺎﺩﺓ ﺇﻋﻤﺎﺭ مشاعري . وإلى إتقان فنِّ المسافات الرَّجراجة . فلا أقترب ولا أبتعد ، ونجحت حتى الآن ،في ابقاء جسدي تحت السيطرة .
لم أخن أحدا ، ولا أظنني سأخون . فأنا لا أريد خداع أحد ، ولا إيذاء أحد أو الإساءة لأحد . ولكن إلى متى سأبقى مُتَعفِّفَةٍ ؟! إلى متى سأتجاهل جسدي ؟! إلى متى سأنتظر زوجي ؟! إلى متى سأقاوم وحيدةً وحش الجسد ؟! إلى متى سأخفي حرماني ؟!
تبصَّرْ بحالي يا شيخنا ، ولِعِلْمك لست حالةً شاذةً ، فكثرةٌ من زوجات المفقودين والمعتقلين والأسرى والأرامل ، مثلي أو أقل أو أكثر . ولكني الأجرأ بينهن كما أظن ، والأوقح كما قد يصمني بعض المتعجلين .
بربك دون وعظٍ فارغٍ غير عملي ، أو تهويماتٍ مُعلَّقةٍ في فراغِ التَّمنِّي وأوهامه ، دُلَّني على السبيل الآمن لتهريب جسدي بعيداً عن وحوشه . جرَّبْتُ في تلك السنين ، كلَّ أنواع العبادات وفَشِلْت . أنهكتُ جسدي بالرياضة ومواصلة العمل وفَشِلْت . تعلقتُ بأحبالِ الأملِ وسُمُوِّ الفكرة وجميلِ الصبر وفَشِلْتُ أيضا . فلا هذا يا سيدي نَفَعْ ولا ذاك شَفَعْ . وبَقيتُ مُثقلةً بوجعِ الافتقارِ والوحدةِ وتناقَصِ الابتسامات .
حزينةٌ أنا يا شيخي ، ساعدني على أن أجد ليَ فَرَحاً ، لا أعتذر عن حماقاته لأحد . دُلَّني كيف أستعدُّ بالمشتركِ لغيرِ المُتَوقَّع . فبعدَ مُنتصفِ كل ليلٍ يقيمُ جسدي حفلةَ صخَب ، تمتد حتى الصباح . أمارسُ عليه سياسةَ القمعِ وأفْشل . يا سيدي ، لا أريد لجسدي أن يصبحَ غابةً أو صحراء . ولا يُناسبني الخضوع لِقِواه . ولا أريد النوم في جسدٍ قتيلٍ أو منتهي الصلاحية . يكفيني أنَّ أحلامي باتت مُجهضةً .

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى