سجن المدين باطل شرعاً / خالد القاسم

سجن المدين باطل شرعاً

خالد القاسم

حتى أكون صريحًا أقول: ليس الغرض من هذه الكلمة أن أنكر سجن المدين وأستنكره فقط.. بل إنني أريد أن أتحدث عن السجن من أصله وأساسه.. لأبين في هذه الكلمة أن السجن جريمة قبيحة – بكل ما تحمله الكلمة من معنى- يرتكبها الإنسان في حق أخيه الإنسان..

فيكفي أن تقرأ صفة السجن وتعلم أن السجن هو مكان مغلق (غرفة مثلا) يودع فيه الشخص لفترة تتراوح من دقائق إلى سنوات إلى مدى حياته!!! حتى ترى بشاعة هذه الجريمة..

بل ويكفي أن تعلم أن الشريعة لم تأمر بسجن أحد مطلقا مهما كان فعله بل مهما كان جرمه!!! لتعلم أن السجن تجاوز على الشرع..

ومهما حاولت أن تجد أي مسوغ لإيداع شخص السجن وإبقائه فيه ولو لدقائق وإبعاده عن أبيه وأمه وزوجه وأبنائه وأصدقائه…الخ؛ فلن تجد البتة!

بل أينما تلفتت ومهما سمعت من أعذار في سجن هذه الإنسان أو ذاك على هذه الفعل أو ذاك فإنك ستزداد يقينا أن السجن بحد ذاته جريمة حقيقية يرتكبها الإنسان في حق أخيه الإنسان..

إذن فالسجن جريمة تخالف الشرع..

ابتداء لنقرر حقيقة أجمع عليها المسلمون كلهم أجمعون ولم يخالف واحد منهم في ذلك وهي حقيقة تاريخية موثقة لا ينكرها أحد ولم يخالفها أحد هي: أنه لم يكن هناك سجن في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – البتة!!

1- أما الرسول صلى الله عليه وسلم؛

أ- فلم يتخذ سجنًا أبدا..

ب- ولم يسجن أحدا..

ج- ولا أمر بسجن أحد مهما كان فعله وجرمه..

د- ولا قضى بسجن أحد على أي فعل أو أي ذنب صغيرا كان أم كبيرا..

2- أما ولاته في عهده صلى الله عليه وسلم:

أ- فلم يتخذ أحد منهم سجنًا أبدا.. لا بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم ولا باجتهاد منهم..

ب- ولم يسجن أحد منهم أحدا..

ج- ولا أمر أحد منهم بسجن أحد مهما كان فعله وجرمه..

د- ولا قضى أحد منهم بسجن أحد على أي فعل أو أي ذنب مهما كان هذا الذنب صغيرا أم كبيرا..

3- وكذلك قضاته في عهده صلى الله عليه وسلم:

أ- فلم يقض أحد منهم بسجن أحد على أي فعل أو أي ذنب مهما كان هذا الذنب صغيرا كان أم كبيرا..

ب- ولا أشار أحد منهم باتخاذ سجن أو بسجْن أحد من المسلمين على أي فعل أو ذنب مهما كان هذا الذنب صغيرا أم كبيرا..

كما أن هناك حقيقة تاريخية يعلمها الباحثون المحققون في تاريخ الإسلام سواء في سيرة سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في سير خلفائه الكرام السبعة من الصحابة وهم سادتنا: (أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والحسن، ومعاوية، وابن الزبير) لم يكن في عهد أي منهم سجن مطلقا.. وكل ادعاء يخالف ذلك فهو باطل ينقصه التوثيق العلمي والمنهجي!!

1- أما هم – رضي الله عنهم-:

أ- فلم يتخذ أحد منهم سجنا في خلافته مطلقًا..

ب- ولم يسجن أحد منهم أحدا مطلقا..

ج- ولا أمر أحد منهم بسجن أحد مهما كان فعله أو جرمه..

د- ولا قضى بسجن أحد على أي فعل أو أي ذنب صغيرا كان أم كبيرا..

– أما ولاتهم الذين تولوا في عهودهم المباركة – سواء من الصحابة أو من التابعين-:

أ- فلم يتخذ أحد منهم سجنًا أبدا.. لا بأمر من الخلفاء ولا باجتهاد منهم..

ب- ولم يسجن أحد منهم أحدا البتة..

ج- ولا أمر أحد منهم بسجن أحد مهما كان فعله وجرمه البتة..

د- ولا قضى أحد منهم بسجن أحد على أي فعل أو أي ذنب مهما كان هذا الذنب صغيرا كان أم كبيرا..

– وكذلك قضاتهم الذين تولوا القضاء في عهودهم المباركة – سواء من الصحابة أو من التابعين-:

أ- فلم يقض أحد منهم بسجن أحد على أي فعل أو أي ذنب مهما كان هذا الذنب صغيرا كان أم كبيرا..

ب- ولا أشار أحد منهم باتخاذ سجن أو بسجْن أحد من المسلمين على أي فعل أو ذنب مهما كان هذا الذنب صغيرا أم كبيرا..

كما أن هناك حقيقة يعرفها أهل الفقه والفتيا بالإضافة إلى أهل القضاء ولا يختلف عليها اثنان.. هي:

أ- أن أحدا من مفتي الصحابة لم يفت بسجن أحد مطلقا مهما كان ذنبه أو جرمه..

ب- ولا شار بسجن أحد من المسلمين البتة مهما كان فعله أو جرمه..

هذا مع العلم بأن جميع الجرائم والذنوب ارتكبت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم – تقريبا -.. ابتداء من محاربته صلى الله عليه وسلم ومرورا بـ(إطالة اللسان) عليه وعلى أمهات المؤمنين وسيداتهم (كقذف أمنا الصديقة الطاهرة عائشة.. وكاتهام بعض أمهات ولده صلى الله عليه وسلم).. ومراسلة العدو والتخابر معه والعمل على زعزعة أمن المدينة والعمل على تفريق المؤمنين.. وعصيان أوامره المباشرة في الحرب.. والانسحاب من الجيش أثناء الزحف.. والتخلف عنه صلى الله عليه وسلم وعدم الاستجابة للنفير العام…الخ الخ الخ..

هذا بالإضافة إلى الكبائر التي ارتكبت في عهده صلى الله عليه وسلم كالزنى والقتل والسرقة والحرابة وشرب الخمر والقذف… إلخ إلخ إلخ..

ومثل ذلك في عهد خلفائه الراشدين الكرام السبعة (أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن ومعاوية وابن الزبير)..

ولا شك أن ولاته صلى الله عليه وسلم وقضاته من أصحابه الكرام وكذلك من تولوا لخلفائه الإمارة أو القضاء ومثلهم مفتو الصحابة في كافة الأمصار – كلهم- اطلعوا على ما وقع في عهده صلى الله عليه وسلم وبعد عهده في عهود الخلفاء الراشدين من الصحابة فمن بعدهم من جرائم وذنوب كبيرة وصغيرة..

كل هذا ومع ذلك فلم يسجن النبي صلى الله عليه وسلم ولا ولاته ولا قضاته ولا خلفاؤه ولا ولاتهم ولا قضاتهم أحدا ولا أمروا بسجن أحد ولا قضوا بسجن أحد..

ومع ذلك أيضا فإنك لن تجد فتيا لأحد من مفتي الصحابة يفتي فيها بسجن أحد على أي ذنب أو جرم..

فأقول بعد ذلك:

سبحان الله! سبحان الله! سبحان الله!

لم يسجن رسول الله صلى الله ليه وسلم ولا خلفاؤه ولا ولاتهم ولا قضاتهم أحداً من المسلمين لا القتلة ولا الزناة ولا القاذفين ولا (مطيلي اللسان)!!! ولا الجواسيس ولا المنسحبين من القتال ولا الذين خالفوا أوامره في ميدان الحرب ولا الذين حاولوا (زعزعة أمن واستقرار المدينة)!!!! وتعاملوا مخابراتيا مع الكفار وأنشؤوا مسجدا ضرارا إرصادا لمن حارب الله تعالى ورسوله ولتفريق الأمة..

فما هو الذنب الذي يراه من اخترعوا جريمة السجن أعظم من كل ما ذكر حتى يستحق صاحبه السجن؟!!

ثم بأي حق يسجن مسلم على ذنوب أو جرائم ارتكب الناس مثلها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي عهد خلفائه ولم يسجنوا أحدا عليها؟!!

ثم هل هم أعلم أم الله تعالى؟!! 

وهل هم أحرص على إقامة الشرع وإظهار الحق من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من خلفائه الراشدين؟!!

وأخيرا:

فإن من نافلة القول أن نقول: إن الدين كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان هناك معسرون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.. واتفقنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن في عهده سجن ولم يسجن أحدا.. ولا شك أن المدين أحد من المسلمين ولم يُسجن مدين قط في عهد النبي صلى الله عليه وسلم..

فكيف تعامل الشرع مع المدين؟!! وكيف أمر بالتعامل معه؟!..

انظروا وتدبروا:

قال الله تعالى مولانا الملك الحق سبحانه:

(وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍۢ

فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍۢ

وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُم إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)

فإذا كان المدين معسرا فلك أحد خيارين:

1- فإما ان تنظره.. – وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن في إنظار المعسر أجر صدقة عن كل يوم ينظره فيه صاحب الدين.. ومثليه بعد حلول الدين ولم يسدد..

فعن بريدةَ – رضيَ اللهُ عنهُ – قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ:

(مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ)،

قَالَ: ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ:

(مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ)،

قُلْتُ: سَمِعْتُكَ يَا رَسُولَ اللهِ تَقُولُ: (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ)، ثُمَّ سَمِعْتُكَ تَقُولُ: (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ)،

قَالَ لَهُ: (بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الدَّيْنُ، فَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ فَأَنْظَرَهُ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ) رواه الإمام الترمذي وصححه الإمام الألباني..

وقال صلى الله عليه وسلم:

(مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِى ظِلِّهِ) رواه الإمام مسلم..

2- وإما أن تضع عنه الدين أو جزءا منه.. وقد تقدم الحديث الذي رواه الإمام مسلم والذي فيه فضل الوضع عن المعسر..

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ:

(كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا

فَلَقِىَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ) رواه الشيخان..

بل قد يكون لزاما إذا كان المعسر ليس لديه شيء وطلب من صاحب الدين الوضع عنه..

فعن عَائِشَةَ تَقُولُ سَمِعَ رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ عَالِيَةً أَصْوَاتُهُمَا وَإِذَا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ وَيَسْتَرْفِقُهُ فِى شَىْءٍ وَهُوَ يَقُولُ وَاللهِ لاَ أَفْعَلُ.

فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – عَلَيْهِمَا فَقَالَ:

(أَيْنَ الْمُتَأَلِّى عَلَى اللهِ لاَ يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ)؟

قَالَ أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ فَلَهُ أَىُّ ذَلِكَ أَحَبَّ.. رواه الشيخان..

وعَنْ كعب بن مالك أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِى حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – فِى الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – وَهُوَ فِى بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ فَقَالَ:

(يَا كَعْبُ)

فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. فَأَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ. قَالَ كَعْبٌ قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – (قُمْ فَاقْضِهِ)..

والأحاديث في ذلك كثيرة..

ثم إن الشرع جعل للغارم وهو المعسر سهما من الزكاة..

فقد قال الله تعالى مولانا الملك الحق سبحانه:

(إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْعَٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)

أي أن الشرع لم يأمر فالوضع عن المعسر فقط بل جعل له سهما وحقا معلوما في أموال المسلمين..

فما أرحم الله تعالى وما أقسى قلوب البشر..

وقبل أن أختم أقول:

لعل من المضحك والله أن يُسجن المدين ثم يطالَب بالسداد.. فلا أدري هل يعقل الذين يحكمون عليه بالسجن ثم يطالبونه بالسداد وهو سجين؟!! وكيف سيكون ذلك في نظرهم؟!!

وأذكر في الختام بقول الله تعالى:

(وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)

ثم أقول:

لنعد إلى شرع الله تعالى فهو كاف واف شاف كامل شامل جامع مانع والحمد لله رب العالمين..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى