زمن الكورونا

زمن الكورونا
د. هاشم غرايبه

قرأت قولا كتبه أحد المضبوعين بالتبعية للغرب، وشاركه بإعادة النشر من يشاكلونه في فقدان ثقته بنفسه قبل فقدانه الإنتماء لأمته، تأييدا لما كتبه: “المسلمون مشغولون بالدعاء الى الله أن ينجيهم، لكنهم ينتظرون من الكفار انقاذهم باكتشاف العلاج”.
بالطبع رد عليه كثيرون مستنكرين وموبخين، ولو كان يستحق الرد لقلت له: ها أنت لا تدعو الله ولا تؤمن بأن له دخل فيما حصل، فلماذا لم يطلق ذلك عنان عبقريتك التي يكبتها الدين… كما تعتقد، فتكتشف لنا العلاج؟!.
في مثل هذه الأحوال، حيث عم البلاء، وانتشر في العالم الوباء، يفترض في الإنسان العاقل أن يتوقف برهة ليراجع فكره، ويتبين مواضع قدميه، فيسأل نفسه: هل كنت خلال الفترة الماضية سائرا في الإتجاه الصحيح؟.
قد يحدث ذلك إن كان الأمر متعلقا بظروف الحياة مثل طبيعة العمل والعلاقة الزوجية والصداقات، لكن يبدو أن ذلك أمر نادر الحدوث إذا كان ذلك متعلقا بالمنهج والمعتقد، من حيث الإيمان بالله او الكفر.
ولما كان الإيمان استجابة للفطرة السليمة المودعة في النفس عند البشر، والتزام بتقييد الشهوات وكبح جماح الرغبات، وعدم تفريغها الا ضمن القنوات التي شرعها الخالق، فالكفر هو انحراف وانقياد للأهواء والرغبات بلا كوابح أو محددات.
يحاول غير المؤمنين تبرير انحرافهم هذا، بأنه استجابة للطبيعة البشرية وأن تقييدها ولجم نزواتها هو الإنحراف، وقد وصل الأمر ببعض مفكريهم أن جعلوا الإلحاد عقيدة، مع أنه لا يمتلك أي عنصر فكري، فهو مجرد إنكار لعقيدة الإيمان، ولا يقدم معتقدا بديلا.
ينطبق ذلك على الأفراد والحكومات على السواء، والأنظمة العربية جميعها تنتمي الى هذا الإنحراف، لذلك فهي تمانع الإسلام خوفا على كراسيها من عدالته، التي ما نالتها بانتخابات شعوبها وإنما بحسن سلوكها تجاه أولياء أمورها، لذلك هي ترفض منهج الإسلام، وتبطش بمن يطالب بتطبيقه، ولا تقدم منهجا بديلا له سوى التبعية للغرب، لذلك تقلد ولا تبدع.
هذا هو التفسير لانقطاع أمل الشعوب العربية التي هي إسلامية المعتقد والمنهج من هذه الأنظمة والأشخاص الذين تعتمد عليهم في تسيير الأعمال، ولذلك ترزح المنطقة العربية منذ قرن تحت نير التخلف ولا أحد يرتجي من هذه الأنظمة أن تخترع دواء ولا حتى أن تصنع أبسط مواد التعقيم والتنظيف، بل تقتصر صناعاتها على التعبئة والتغليف والتسويق لمنتجات الغرب.
فماذا في يد هذه الشعوب غير الدعاء والإستنجاد برب العالمين، قاهر الجبابرة وناصر المظلومين!؟.
فهل الإسلام هو من يدان في حالتنا هذه، أم تاركه والمتنكبون لمنهجه؟.
ها هم أسيادهم من أعتى جبابرة الأرض ممن استعبدوا الأمم وأذلوا الشعوب المسلمة، يركعون صاغرين فاقدين كل حول أو قوة أمام أصغر كائن أوجده الله (فيروس الكورونا)، لا يملكون استعمال أي من أسلحة الدمار الشامل التي كدسوها، ووقفت أجهزة التنصت والمراقبة عاجزة عن تتبع هذا الجندي الذي أرسله الله للبشر، يفتك بهم من غير أن يتمكن أحد مهما امتلك من ثراء ومال أن يحمي نفسه منه.
برحمة من الله سينتهي قريبا، فما أراد الخالق إهلاك البشرية، بل تأديب الطواغيت الكافرين، وتنبيه المؤمنين العاصين، وسواء استجاب المنكرون أم أصروا على غيهم، فسينتهي هذا الوباء بإذن الله، ليس بقضاء البشر عليه، فلم يتمكنوا من فعل ذلك مع أي ميكروب الى الآن، لكن برحمة من الله وعفوه.
وبذلك تتحقق حكمة الله الباقية الى الأبد في أنه حين يقرر نزول البلاء العام، يجعل ذلك نعمة للمؤمن الذي يتعزز إيمانه ويتقرب من ربه بالتضرع، ويكون نقمة على الكافر، وهكذا ينتصر الله لمنهجه قوله تعالى: “كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ” [المجادلة:21].

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق