
التعايش مع الكورونا بلا قانون دفاع
أ. د أحمد العجلوني
أكاديمي وخبير اقتصادي
أظهرت الحكومة حكمة واجتهدت صواباً في بداية أزمة الكورونا، واتخذت قرار الحجر الصحي ونفّذته بدرجة لا بأس بها من الكفاءة، وهذا ما جنّب النظام الصحي الانهيار لو حدثت في الأردن حالات كما في دول أخرى، ولا ينكر هذه الحقيقة إلا جاحد غير منصف. وجاء قانون الدفاع بأوامره لكي يتم التعامل مع وضع طارئ. ولم يلق هذا القانون أي معارضة لوجاهة مبرراته حينها والتأكيد على أنه لن يمس الحريات الأساسية للمواطنين، وهذا ما كان فعلاً.
ولكن مقابل الإدارة المقبولة للحجر الصحي كان هناك أخطاء كثيرة شابت إدارة الأزمة التي تمت في ظل هذا القانون، واعترى جهود إدارة الحكومة الكثير من السلبيات تم التنبيه لها منذ بداية الأزمة، ولكن عناد الحكومة وعدم الرغبة بسماع أي صوت سوى صوتها سحب الكثير من رصيدها وزاد من تفاقم كثير من المشاكل، بل إنه خلق مشاكل وأزمات إضافية كان من السهل تداركها وتخفيف الكلفة المادية والمعنوية على الوطن والمواطنين جراء تلك السلبيات. وليس أدل على ذلك من اختلاق أزمة عودة المغتربين والتعامل الفج مع هذا الموضوع والارتباكات التي لم تخفيها الاستعراضات الإعلامية للمسؤولين. إضافة إلى أزمة الخبز والتصاريح والتجاوزات في تمييز غير الأردنيين بمعاملة استثنائية في القدوم إلى البلد من غير مراعاة للشروط الصحية. وفوق هذا وذاك اختلاق حالة تأزيم واستقطاب مع المعلمين، وغيرها من الأمثلة التي شقّت على المواطنين بلا طائل.
أما وقد انتهت الأوضاع الطارئة وتمت السيطرة على الوباء بدرجة كبيرة وعادت الحياة إلى طبيعتها في الجهاز الحكومي والقطاعات الاقتصادية الرئيسية، فقد بات من الضروري التفكير بإنهاء العمل بهذا القانون لإعطاء المجال للتعاطي مع ملفات وطنية أخرى تعتبر في مجموعها ذات أولوية أكبر من ملف الكورونا.
ومن أهم موجبات وقف العمل بقانون الدفاع
• ضرورة التفرغ لإدارة الحياة الاقتصادية وشؤونها بالقوانين والأنظمة العادية المعمول بها قبل قانون الدفاع لكي يتم النظر باستراتيجيات التعايش صحيّاً مع المرض وآثاره على المدى المتوسط والطويل.
• تتطلب استراتيجية التعايش مع مرض الكورونا من ناحية صحية ومن ناحية الحياة الاجتماعية تطوير الأنظمة والتشريعات بشكل دائم وليس وفق قانون مؤقت مصمم لوضع طارئ.
• هناك الكثير من الملفات التي تتطلب تعاملاً فعّالاً ودون تأخير، وقد وضعت هذه الملفات على الرف لأجل إعطاء الأولوية لأزمة الكورونا وقانون الدفاع. فالمخدرات (مثلا) باتت سرطاناً ينتشر ويتمدد بسرعة مخيفة في الأردن، إذ أن هناك ما يقارب 20,000 قضية مخدرات للعام الماضي. فما هي استراتيجية الحكومة لمواجهة هذا الوباء الذي يزيد في مخاطره الصحية والأمنية والاجتماعية عن الكورونا بأضعاف؟! وأين دعم أبطال مكافحة المخدّرات بالعدد والعدة والتشريعات؟ ولا ننسى الحرب المعلنة على الطرقات المتمثلة بحوادث السير وغيرها الكثير من المشاكل التي تنتظر في صف طويل.
• لم تستفد الحكومة من قانون الدفاع فيما يتعلق بالجهد الوطني لمواجهة الأزمة اقتصادياً سواء من ناحية تحصيل الأموال أو مكافحة الفساد في قضايا منها التهرب الضريبي الذي خفت صوت جعجعته ولم نر له طحناً، حيث أنها – وبكل أسف – لم تستخدم هذا القانون بشكل مناسب وأظهرت قصوراً واضحاً تجاهه، بل إنها أظهرت انحيازاً واضحاً للقطاع الخاص على حساب الموظفين والعمّال، وحمّلت موظفي القطاع العام العسكريين والمدنيين أعباء مادية في حين أنها كانت تستطيع الأخذ من أموال الأثرياء والرأسماليين.
إن أكثر ما يشغل بال المواطنين متلازمتا الفقر والبطالة التي فشلت الحكومة بالتعامل معهما بشكل مقبول وقامت بمحاباة رجال الأعمال والشركات على حساب الموظفين. وإن استمر هذا التعامل السلبي مع قضية البطالة دون العمل على حلها من وجهة نظر وطنية متوازنة فإن الخطر قد يمتد –لا قدّر الله- إلى اضطرابات من العاطلين على العمل، بالإضافة إلى تفاقم ظاهرة الفقر ومشتقاتها من الجريمة والمخدرات والتمزّق الاجتماعي.
إن الاستمرار في تسيير البلد وفق قانون الدفاع ومنهج إدارة الأزمة لا يتناسب مع تبدّل الظروف التي باتت طبيعية إلى درجة كبيرة يدل على سوء تقدير لا نريد للحكومة أن تقع فيه، ومراكمة للأخطاء نتمنى ألا تستمر وأن تتوقف عند هذا الحد. ونتأمل بأن تتصف الحكومة بالحد المقبول من المرونة التي تجعلها تعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي بدون تأخير حتى تخفف المشقة على البلاد والعباد.
حفظ الله الأردن من كل شر؛ وأدام ازدهاره

