زلزال لبنان.. وقفة للتفكّر أردنياً

زلزال لبنان.. وقفة للتفكّر أردنياً (1)
حتى لا نؤتى من بوابة الاقتصاد
أ. د أحمد العجلوني

يبدو بأن الانفجار الزلزالي الذي دمّر مرفأ بيروت وجانباً من أحياء عاصمة سويسرا الشرق (كما كان لبنان يسمى قبل أكثر من نصف قرن!) كان النتيجة المؤلمة لواقع فشل الدولة اللبنانية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. وإننا إذا نعبّر عن بالغ الأسى والتعاطف مع إخوتنا اللبنانيين لمصابهم البشري والاقتصادي الجلل، لندعو الله أن يخفف عنهم ويلطف بهم مما يحاك لهم في قابل الأيام. كما أنها دعوة لأن نتوقف – نحن الأردنيين – عند حال لبنان ونتفكر لكي نتلافى بعض ما المّ بإخوتنا هناك، خاصة وأن هناك كثيراً من جوانب التشابه بين حالنا وحالهم.
لقد عانى لبنان المكلوم من تراكمات الفساد السياسي والاقتصادي والإداري وغياب هيبة الدولة طوال عشرات السنين، وقد استشرت قوى الفساد وامتدت إلى السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضاء). وكلما لاحت بشرى تفاؤل باستقرار هذا البلد جاءته مصيبة تجعلنا “نترحم” على ما كان قبلها. ثم بلغت الأمور ذروتها بتكالب ثلاث كوارث على لبنان مرة واحدة؛ كارثة انهيار النظام الصحي بسبب كورونا والكارثة الاقتصادية وعنوانها المديونية الهائلة وتدهور سعر صرف الليرة، وآخرها دمار شريان الحياة الاقتصادية الرئيسي الذي قد تصل خسائره إلى 15 مليار دولار أمريكي، فكان هذا الانفجار المهول المشهد الأخير في فصل أليم من فصول معاناة الشعب اللبناني.
لا يمكن لأي متابع أن يحلل الوضع الاقتصادي بمعزل عن الإطار السياسي والأمني والاجتماعي الذي يعيشه أي بلد، وإن تردي الأوضاع السياسية والقانونية يمثل رافداً أساسياً من روافد التدهور الاقتصادي؛ كما أن البيئة السياسية والقانونية السليمة دعامة أساسية لاقتصاد مزدهر (وقد تحدثت عن تأثير الأوضاع السياسية والقانونية على الاقتصاد في المقال السابق).
إن ما يدعو إلى الالتفات إلى الوضع اللبناني للاستفادة منه في إعادة تقييم الأوضاع الاقتصادية في الأردن وجود عدد من نقاط التشابه في الوضع الاقتصادي بين البلدين؛ من أهمها:
أن كلا البلدين يتميزان باقتصاد هش يعتمد على الخدمات والسياحة وتحويلات المغتربين، ما يجعله عرضة للتقلبات ومعتمداً على الغير بشكل كبير.
ومنها تفشي الترهل والفساد الإداري، إذ إن هناك قوى متنفذة لا تطالها يد القانون (المشلولة) في لبنان تحمي الفاسدين ولصوص المال العام. وها نحن في الأردن أيضاً نعاني من تجذّر مؤسسة الفساد وتغلغلها في مفاصل الدولة الأردنية؛ في الوقت الذي لم تستطع أي حكومة أن تتجرأ على المس ولو بجزء منه؛ فضلاً عن تورطها نفسها بهذا الفساد!
كذلك يتشابه البلدان في حجم المديونية الكبير بالنسبة لحجم الاقتصاد، إذ تعاني موازنة الدولة اللبنانية من دين عام مهول بالنسبة لبلد صغير مثل لبنان (حوالي 92 مليار دولار) مقابل إيرادات شحيحة ونفقات ضخمة. بالمقابل فإن الديّن العام الأردني قد قفز خلال عشر سنوات فقط إلى 44 مليار دولار دون أن يكون هناك أية مشاريع استراتيجية تضيف أي قاعدة إنتاجية للبلد، مترافقاً مع تراجع مستوى الخدمات الحكومية! وذلك بعد أن بقي بحدود 15 مليار دولار لغاية عام 2010 كمحصلة دين لبناء الدولة بكل مؤسساتها طيلة 70 عاماً.
ويتشابه وضع الأردن مع لبنان أيضا في سيطرة البنوك على المشهد الاقتصادي، بحيث أصبحت تملك أهم خيوط اللعبة الاقتصادية. وقد تواترت الأنباء عن تواطؤ إدارات البنوك في لبنان على تهريب الأموال وسرقة المودعين جهاراً نهاراً بمنع المودعين من سحب ودائعهم، أو بإجبارهم على سحب ودائعهم بالدولار بالليرة اللبنانية بسعر صرف يقل كثيراً عن سعر السوق، وكانت الدولة أضعف من أن تواجه البنوك أو تقاضي المسؤولين فيها أو في المصرف المركزي لأن لكل منهم “فزعته” و “عزوته” من الطائفة التي ينتمي إليها أو مسنوداً بدولة خارجية لا يُمس من يواليها!! وعلى الرغم مما يظهر من قدرة إدارة البنك المركزي الأردني على إدارة السياسة النقدية فإنه ليس من السهل تبديد سحب الخوف مما تخفيه الأيام؛ ولأن هناك تراجع في مستوى الثقة بكل الجهاز الحكومي عموماً.
إن ما يحصل من اضطرابات أمنية في لبنان نتيجة الانهيار الاقتصادي والفقر والبطالة والتضخم يجعلنا نتوجس خشية من أن الأمر لم يعد يحتاج سوى “شرارة” من تخفيض قيمة العملة أو تفاقم مستوى التضخم أو غيره حتى تصل الأمور عندنا-لا قدّر الله- إلى وضع لبنان أو قريب منه. خاصة وقد أمسى واقع الحريات في أدنى مستوياته، وباتت الآفاق السياسية قاتمة وغير مبشّرة بتغيير إيجابي على المدى المنظور.
ولأننا لا نرجو لبلدنا الحبيب إلا أن يبقى في مأمن من هكذا مصائب؛ ولأن خطورة الأمر لا تقتصر فقط على الجانب الاقتصادي -على أهميته البالغة- فإننا نقرع الجرس بكل قوة لكي تتم المسارعة إلى وضع استراتيجية اقتصادية برؤية واضحة عنوانها “المحاربة الجديّة للفساد” بحيث يوكل أمرها لمن يتقي الله في هذا البلد ويسعى لرفعته. إذ أن الأمر جد خطير، ولأن الفشل في هذا الجانب –لا قدّر الله- سيتعدى المعاناة المعيشية إلى تآكل أسس الانتماء للدولة كما حدث في لبنان؛ وهذا ما سنتعرض له في المقال التالي إن شاء الله.

حفظ الله الأردن من كل شر؛ وأدام ازدهاره

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق