رفقا بالمتقاعـدين ..!

رفقا بالمتقاعـدين ..!
د. قــدر الدغمــي

المتقاعدون هم أولئك الموظفين الذين أكملوا سنوات خدمتهم المقررة في العمل في الجهاز الحكومي على وجه الخصوص، أو ممن أكملوا الحد الأقصى لأعمارهم في العمل حسب نظام الخدمة المدنية، أو الذين حصلوا على التقاعد لأسباب صحية، وقد قضوا جميعهم زهرة شبابهم وأثمن فترة زمنية من أعمارهم في الخدمة والعمل المتواصل في وزارات ومؤسسات وهيئات الدولة.
إن وصول الموظف إلى سن أو مرحلة التقاعد لا يعني بأي حال من الأحوال انتهاء فترة عطائه، فكل إنسان سليم الجسم وكامل الأهلية يستطيع مواصلة العطاء وتقديم كل ما لديه من خبرات ومهارات اكتسبها خلال فترة خدمته، لكن مع الأسف الشديد في بلدنا ينقطع تواصل المتقاعد عن المؤسسة التي أفنى فيها عمره بمجرد ما يصدر قرار تقاعده ويصبح في عرف النسيان وجزء من الماضي لا ذكر ولا تواصل، ولا حتى اتصال معنوي يحمل معاني الشكر والثناء والتكريم له على ما قدم.
في حين نجد في الدول المتقدمة التي تحترم موظفيها وتقدر جهودهم تولي غالبية المؤسسات فيها اهتماما منقطع النظير بمتقاعديها، وتعمل على مد جسور التواصل والتشاركية مع موظفيها المتقاعدين، وتأخذ بآرائهم واستشاراتهم وتشاركهم في أفراحهم وأتراحهم، وتعمل على دعوتهم وإشراكهم في فعاليات وأنشطة المؤسسة التي تخرجوا منها وبذلوا فيها كل طاقاتهم، أيضا وتخصيص لهم يوما سنويا يلتقون فيه عرفانا منها ووفاء وتقديرا لجهودهم التي بذلوها لنجاح المؤسسة بكل أمانة وإخلاص، وعلى اسهامهم بالإنجازات التي حققتها تلك المؤسسة أو الدائرة زمن خدمتهم فيها.
جميعنا يعلم بأن الخبرات المهنية والوظيفية التي يمتلكها الموظفون المتقاعدون إذا لم تجد من يحتضنها ويرعاها ويهتم بها ستضيع مع مرور الأيام، وإن الالتفات إلى تلك الخبرات وتلك الطاقات يدفع بعجلة الإنتاج في مؤسسات الدولة بشكل عام، فكم من أولئك المتقاعدين تركوا أعمالهم وهم في ذروة العطاء والهمة والأقبال العمل دون كلل أو ملل، علما بأنه لا توجد مظلة مؤسسية تحتضن المتقاعدين من الجهاز المدني وتسمع لرؤاهم وتطلعاتهم وتلبي احتياجاتهم، وتشركهم في صنع القرار، اسوة بمتقاعدي المؤسسة العسكرية.
إنّ إغفال فئة المتقاعدين وتهميشهم يتعدى أثره هدر الطاقات الوطنية المسلحة بالعلم والمعرفة والخبرة، إلى أن تصبح تلك الفئة متشرذمة نتيجة التغيير الجذري الذي طرأ على نشاطهم الذهني والحركي، رغم أن الكثير من المتقاعدين ما زال لديه الدافعية والرغبة الكبيرة في العمل من جديد إن سنحت له الفرصة، وليس الهدف من ذلك ماديا بحت وإنما لمواصلة العطاء.
مع ذلك وفي المقابل نجد أن هناك جهودا خجولة من بعض مؤسسات القطاع الخاص في لدولة تمد جسور التواصل مع المتقاعدين من مؤسساتها، من خلال مبادرات فردية قام بها بعض الأفراد في تلك المؤسسات كنها لا تزال بحاجة إلى توسيع الدائرة والجدية أكثر ليكون عرفا تحتذي به باقي المؤسسات على الصعيدين العام والخاص.
لذلك فالوظيفة الحكومية رسالة قبل أن تكون مصدرا للرزق، فهي لا تصنع جاها ولا ثروة، وحتما ستتبدل الأدوار يوما ما، فمهما طالت أيام خدمتك سيأتي ذلك اليوم الذي ستحال به على التقاعد، وسيذهب عنك “هيلمان الوظيفة وبرستيجها” وستتذوق طعم النسيان والنكران ممن كانوا حولك، فلا يبقى معك سوى الذكريات الجميلة مع الزملاء الصادقين الأوفياء أصحاب المعروف.
فكل الشكر والتقدير لكل المتقاعدين الذي لا يزال الكثير منهم، حريصون على مواصلة العطاء لهذا الوطن العزيز المعطاء.

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى