ذكرى من الطفولة

إن كان للجمال ذكرى من الطفولة، فهي في أيام الشتاء..
عبد الله سمارة الزعبي

تلك الأيام التي كان فيها بيتنا الريفي يعج بالزوار الملتفين حول مدفأة “البواري” القادمين من “القرية” أو “البلد” في ليالي كانون المظلمة..

تلك الليالي التي كانت تجلب معها المطر والبرد الشديدين، لتجعل الشباب قبل الشيبان “يتلصمون” بأشمغتهم الحمراء، ويلتحفون “فراءهم” المبتاع من أسواق الشام، المعبق برائحة تفاح السويداء، ومعسل “تفاحتين” أو “زغلول”..

ويال فرحتنا عندما يقدم أحدهم وبيده “سطلية عقال الشايب” من “ذرعا” -الحلوى الأشهر في ذلك الوقت من الشتاء- فتجتمع العائلة عليها..

أما عن طقوس الصباح، فكل الطقوس التي عشتها منذ خمس وعشرين عامًا، لا تعدل عندي شروق الشمس من بين تلال الرمثا الشرقية، وانكسار أشعتها عبر قطرات الندى على حشائش “حاكورتنا”، أو على “الحورة” (الصقيع) لتذيبه فيغدو قطر ماء متساقط عن الحشائش..

هذا المنظر الساحر، ليس مجردًا من نغم، نعم، إنه هدير ابريق “البابونج” الذي تعده جدتي -رحمها الله- بعد صلاة الصبح ومع بزوق الشمس، وتقطف له البابونج البري الطازج من طرف غرفتها، إنه نغمٌ معبق بريح طيبة لا يعدلها ريحٌ ولا نغم..

ذهبت تلك الأيام، وذهبت بركتها، ففي الربيع أخرجنا من منزلنا والدموع تنهمر كقطر المطر على وجوهنا، ثم ما انفكت جدتي مريضة مع فراقنا حتى ماتت، فذهبت الحشائش من “حاكورتنا”، وما عادت الشمس تخرج من بين التلال إلا مرغمة، وما عاد الشتاء يأتي بالبرد والمطر الشديدين إلا رأفة بالخلق، وغدت الفراء التي يلبسها الناس تصنيعًا تجاريًا لا تفوح منه إلا رائحة الترف، وأضحت مدفأة “البواري” مدفأة غاز، أو كهرباء، لا يجتمع حولها أحد، أما ليل الشتاء المظلم، فلم يعد له من الظلمة سوى ظلمة القلوب المجللة باللؤم والسواد..

فلم يبق لنا إلا حلوى “عقال الشايب” التي كانت تأتي من “ذرعا” نسلي بها النفس، ونبكي على أطلال الماضي، فأبت يد الغدر إلا أن تدمر درعا، وتشتت أهلها، فلم تعد مصانع درعا موجودة، فضلا عن حلواها.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق