دولة الرئيس شكراً، لسنا حالة إنسانية .. نحن حالة وطن ..

دولة الرئيس شكراً، لسنا حالة إنسانية .. نحن حالة وطن ..
د. صلاح المومني

وصلتني رسالة على الواتس من دولة رئيس الوزراء تقول: ” أخي الكرم،آسف للتأخر في الرد ولكن تأتيني آلاف الرسائل على تلفوني الخاص والوحيد. قرأت ما كتبته أعلاه وآمل أن نستطيع المساعدة. سيتصل بك الأخ راكان اليوم أو غداً لأخذ المعلومات وتقييم الحالة وإن شاء الله خير. ألف سلامة على الأهل وإن شاء الله تعود إلى أرض الوطن وتقبل وجنتي بالوالدة قريباً”.
للحق فرحت برسالتك ليس لأنها من رئيس الوزراء، ولا لكونها تحمل وعداً غير جازم، لكن لأنها تمثل مشاعر إن صدقت أحسسنا بخير حتى لو لم نجد فعلاً أو نتيجة كما نريد. فحينما يكون من وُلّي الأمر فياض المشاعر ويحس بالمواطن، بالتأكيد إن لم نستفد منه على وجه الخصوص سيستفيد منه عامة المواطنين وهذا هو المطلوب.
لم أبحث في يوم من الأيام عن أي خصوصية، ولم تقدم لي حكومات الأردن ودائرة المخابرات فيها أي خدمة منذ ولدت وحتى لحظة كتابة هذه الرسالة، ولا فضل للدولة علينا أنا وعائلتي بأي شيء أذكره، لأنني عشت مكافحاً في بلد العم سام ورفضت أن أكون في صفوف القطيع. لكن حينما أبحث عن حقوقي آخذها بحسن الخطاب والمطالبة، حتى إذا أتاني الرفض والجحود، صار قولي كله تمرداً وجلافة لما ضاق به الصدر واشمئزت منه النفس لسوء تصرف أولي الأمر.
فمنذ أن تم تهجيري من بلدي على يد جهاز المخابرات قبل أكثر من ثلاثين سنة وجدت كل سوء من دوائر الدولة المختلفة. وكيف لا وهذه الدائرة بكل أوهامها هي المتحكمة بزمام الأمور، حتى بقراراتكم ورسم سياساتكم تجاه المواطنين والوطن. فقبل عامين أو ثلاثة، أوقفت الدائرة المذكورة تجديد جواز سفري حتى انتهاء فترة أداء العمرة بالتذرع بالحاجة إلى موافقة أمنية، ولم يكن بوسعي السفر من الأردن باستخدام جوازي الأميركي بسبب قوانين الخروج، وحينما أصدرتها الدائرة -الموافقة الأمنية- لم أجد حجزا فاضطررنا للبقاء فيما يسمى (وطننا) الأردن. كنت أحلم باجتماع عائلتي المشتتة وأداء عمرة تجمعنا حول الكعبة وزيارة مسجد نبينا صلى الله عليه وسلم ليتزودوا بروحانية المكان، وكأن الأمر يعز على دائرة المخابرات حتى فيما يتعلق بأداء مناسك وشعائر لعائلة لم تستمع للأذان إلا من خلال جهاز الهاتف، يعز على المسؤول أن يرانا ننعم ولو لأيام قليلة وسط ضنك الغربة وجحيم الفرقة.
دولة الرئيس:
كما أسلفت، لست طالباً منكم التفضل علينا بشيء، ولست عاجزاً عن القيام بمسؤولياتي تجاه أسرتي، ولو تطلّب الأمر أن أصطاد النسر لأحقق حاجة عائلتي لفعلت، فالكبرياء الذي ورّثه لي أبي جندي الوطن يفوق كل تصور، ولم ولن أجثو على ركبتيّ لمسؤول هنا في المنفى أو في وطننا المحتل حسب قول امي التي ظنت كورونا احتلالاً. فالذي أطالب به هو حق أسرتي وحقي في وطن روّاه أبي بعرقه، وحمل روحه على كفه ليحميه يوم كان الأردن في مهب ريح التغيير؛ حماه هو وأقرانه المخلصين، ولو عرفوا أن هذا الوطن سيؤول إلى غير أهله لربما كان لهم موقف آخر.
لست ممن يتقنون الغزل، ولا أجدني متوسلاً بشكر في غير محله، ولن تجد مني حكومة أياً كان رئيسها إطراءاً لكي أنال حقوقي، فلست طالباً منكم مالاً ولا استثناءً من تطبيق قانون، وما انا بالباحث في أدراج مكاتبكم عن نصوص غير تلك المعلنة في دستور البلاد -رغم تحفظاتي الكثيرة على نصوصه-، فكل المطلوب هو حق أسرتي في أن تجد ملاذاً آمناً وفق إمكانياتنا التي نسافر بها إلى الأردن كل عام.
نطالبكم بعدم استغلالنا من خلال الملكية، وعدم تسليم قوت أولادنا للفنادق، لأن بيوتنا تتسع لنا ونعرف مدى طهرها ونظافتها وبعدها عن الأوبئة. فالبيت الذي لم يدخله أحد طوال العام وينتظر أهله المغتربين أكثر صحة وملاءمة للحجر، أليس كذلك يا دكتور عبيدات ومعالي سعد جابر؟، ونحن لسنا جهلاء لكي نخالف تعليمات وزارة الصحة أو د. سعد جابر أو د. نذير عبيدات اللذان مازالا يبحثان عن آلية لفتح المطار للسياح وليس للمواطن المضطر، وها نحن نلتزم بتعليمات حكوماتنا في أميركا رغم أنهم لا يحملون سيفاً لنا ولا قانون دفاع وزوجي وفردي للسيارات، ومجند يحمل رشاشه في الشارع.
لقد أثبتت قراراتكم أنكم تبحثون عن آلية لإعادة كل ما من شأنه أن يزيد في خزائن الفاسدين، بينما لا تبحثون عن آلية في عودة المغتربين الذين يصبون -تحويشة العام- في جيوب الوطن من خلال تواجدهم هناك في إجازاتهم.
رسالتكم أفرحتني لأنها تحمل مشاعر ربما هي صادقة منك كشخص لكن فعلكم لا يصدّق ما بها، كما أشكر الأخ راكان على دعواته لنا بالعودة بامان، لكن وكما علمنا فإن الدعاء يجب أن تصحبه -آلية- من الداعي لتحقيقه.
دولة الرئيس:
أبلغ من حولك أن قضيتنا ليست إنسانية حتى وإن كان الموت يتهدد أسرتي أكثر من غيرها، فأنا لا أرى الموت عقوبة، وليس نهاية المطاف، ونحن إن رحلنا سنواجهك أنت ومن يعطيك الأوامر أمام العادل الذي لا يضيع في ميزانه شيء. لن نبكي لكم ونتضرع ونتوسل لكم، فلدينا عزة نفس تفوق الجبال شموخاً، ونواجه الموت بصدور عارية لو استدعى الأمر، فما مرّ علينا خلال أعوام غربتنا أكسبنا قوة ويقيناً وإدراكاً أنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا. لكن عار على المسؤول ان يرانا حالة إنسانية تستدعي العطف، فسيدنا عمر حينما وجد امرأة تطبخ الحجارة لأولادها، نظر إليها بميزان الحقوق وقدم لها كل ما قدم لكي يعطيها شيئاً من حقها وحق صبيتها الجوعى، ثم اشترى منها مظلمتها ليبرئ نفسه أمام الله. هؤلاء فهموا الحكم والولاية العامة واجباً للوطن والمواطن، ولم يروا ذلك حالة تفضّل وتسامح إنسانية.
أيها الرئيس:
المغتربون كلهم ليسوا حالة إنسانية، بل هم حالة وطنية من أنكرهم انعدمت فيه الوطنية ومن انصفهم هو من يستحق ان ينال هذا اللقب.
دمتم وشكرا لكم مرة أخرى على مشاعركم ودعائكم … وحينما تنتهي وزارتك واعود إلى بيتي في عجلون، أنت والأخ راكان، أهلا بكما ضيفان عزيزان في بيتي، فليس لي ثأر شخصي عندكم، بل حق ينتهي بانتهاء وظيفتكم.
المشرد صلاح المومني
0018329496607
salahm247@gmail.com

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق