خراب وطني كبير

احصائيات كورونا
الاصابات
188٬410
الوفيات
2٬302
الحالات الحرجة
453
عدد المتعافين
120٬014
أخر تحديث بتاريخ 2020/11/23 الساعة 6:42 م

خراب وطني كبير
محمد طملية

** الجامعة الاردنية – ( 1980 ) …
كان ثمة صف من شجر ” السرو ” البالغ الوقار . ومقاعد خشبية يتهالك عليها الطلبة الذين لم يألفوا الجو بعد . وزميل سرعان ما وقع في حب مدمَر مثير للكآبة . وكافتيريا مزحومة باللغط , وفتيات متعاليات لا يخالطن احدا . ودفاتر تستعار بحجة فوات المحاضرة , فيما الغاية من الاستعارة هي التعارف .
كان ثمة ممرات مضروبة بالخطو المتناغم لزميلة متأخرة . وسجائر جاء الدكتور المحاضر قبل ان يكتمل تدخينها . واذهان ادى الضجر الى تخريجها من الغرفة . واقلام تلهث وراء لسان الدكتور الذي اكتفى بالإملاء .
كان ثمة سيارات فارهة لطلبة يأتون الى الجامعة بأحذية خفيفة , وحقائب محمولة في ايدي ” الدكاترة ” . ودموع مذروفة من اعين زميلة سقطت في الامتحان .
الجامعة الاردنية : كنت , آنذاك , طالبا في قسم اللغة العربية . وكان لي دفتر لكل المحاضرات . ورسوم جامعية مخبوئة في وسادة تحت رأس الوالدة … وزملاء متحمسون للسفر الى الخليج … وزميلات معجبات بقدرتي على حفظ الشعر …
كان لي اساتذة مفضلون : الدكتور ” خالد الكركي ” الذي حثنا على قراءة ماركيز . و الدكتور ” جاسر ابو صفية ” الذي طلب الينا , في الامتحان , ان نكتب ما نشاء … فكتبت , انا , عنه . والدكتور ” نصرت عبدالرحمن ” الذي لفت انظارنا الى جانب غير مطروق في الشعر الجاهلي . والدكتور ” احمد ماضي ” … و” صالح حمارنة ” و” سحبان خليفات ” … ايام مضت , ولكنها مازالت مركونة في الروح .
** الجامعة الاردنية …
كنت اصحو باكرا . اغسل شعري بالماء الساخن , وارتدي ملابسي ” ماغيرها ” التي غسلتها الوالدة , وكوتها شقيقتي المبهورة بي , ثم ألمَع حذائي بخرقة . واتطلع في المرآة . فأركن الى انني غدوت شخصا بالغ الاناقة … فاتنا … رشيقا … جذابا … مؤهلا لإبهار الزميلات .
اخرج مملوءا بالنشوة , احاذر في الزقاق , ان اقع في حفرة . احاذر ان يتلوث حذائي اللامع بالرمل الابيض المتروك هنا وهناك , احاذر ان تتلف تسريحتي جراء القفز عن الماء الآسن المصبوب في المجاري المكشوفة , احاذر ان يرتطم بي طفل متسخ يجري صوب الدكان , احاذر ان ينقذف علي طبيخ بايت من طنجرة لربة بيت نشيطة … عندما اصل الى الطريق المسفلت , انحني لإعادة البريق لحذائي , بالخرقة التي ظلت في جيبي واطمئن , بحركة من يدي على بقاء خصلاتي مرصوفة , ويتفاقم اعتدادي بنفسي حين تمر كوكبة من بنات الحي الذاهبات الى المدرسة اللواتي يؤمن , كما قالت شقيقتي , بأنني اكثر الرجال اناقة ووسامة , وحظا في العالم . وانهن يحسدن بنات الجامعة على رفقتهن لي … انتشي اذ اتذكر ذلك . فأمشي رافعا الرأس , منصوب القامة , واثق الخطوة … ملكا .
تلازمني الخيلاء , الى ان اترجل من الباص عند باب الجامعة , هناك , اعني عند باب الجامعة : أرى السيارات التي يترجل طلبة ذكور بملابس مستوردة , وفتيات رشيقات ذوات شعور منعوفة ,وحقائب يد محمولة بإهمال , و أحذية خفيفة , وجوارب ملونة .
ارى الطلبة , ذكورا واناثا يعبرون الجامعة وهم يتحدثون ,يتكركرون , يتبادلون نكات الصباح , والحديث الرخو حول مشاريع التسلية المزمع القيام بها بعد الدوام .
ارى … فتداهمني الضالَة , يجتاحني احساس لعين بالعزلة : انا معزول … مزبول … مبصوق على قارعة المسافة بين البوابة الخارجية وقاعة المحاضرات … تلك القاعة التي ادخلها بوجل وخوف , ادخلها منكسرا, خائبا , شاعرا بأنني غدوت غربالا جراء نظرات السخرية التي اخترقتني …
ولا اهدأ , الا حين يقترب مني زميل مثلي .. حاول ان يتأنق , فكانت النتيجة انكسار .
* * *
آخر تهمة تلقيتها من حبيبتي ” وهي شريرة بالمناسبة ” انني فقدت عنصر التحدي , مقارنة مع ايام الدراسة في الجامعة : تعارفنا هناك …
قالت ايضا انني صرت مجاملا .. خانعا .. جبانا .. نذلا الى حد ما ..
وقالت ايضا انها احبتني ايام الجامعة , لانني كنت شرسا .. لا اهاب رجل الامن الذي يتابعني من محاضرة الى محاضرة , ومن كفتيريا الى اخرى .. ولا اتورع عن انتقاد ” الدكاترة ” المحسوبين على الحكومة … واجاهر , امام ممثلي التيار الاسلامي بأنني ” ماركسي لينيني ” … واكتب قصصا وقصائد يحفظها ” الرفاق ” .
سألتني ما الذي جرى لك ؟ وهل ” محمد ” الذي احببته ايام الجامعة , هو ” محمد ” الذي اراه الان ؟ ثم ذرفت دمعة , ومضت , فيما بقيت انا مرميا قرب المدفأة ( كنت , في الواقع . بردانا )..
فكرت بكلامها : انها تتحدث عن مرحلة كانت فيها الجامعةعبارة عن ثكنة لأحزاب غير داجنة . وكانت الكتب الممنوعة هي الاكثر رواجا , وكانت الاجتماعات في البيوت تمتد حتى الصباح لصياغة رد ساخن على موقف الحكومة من مسألة ما ( يظهر الرد , في اليوم الذي يلي , على شكل ” منشور سري ” ) … وكان عداؤنا لاسرائيل حقيقيا ( لم نكن نعرف شيئا عن الاتصالات السرية ) … وكان الفرز واضحا : هذا وطني وهذا رجعي … وهذا خائن . وكان الشهداء يتوافدون الى ضمائرنا, فينفجر بركان في الروح , وكان الوطن وطنا بكل ما في الكلمة من صهيل .
ثم تغير كل شيء : صار للاحزاب يافطات . وصار المناضلون وزراء .. او مستوزرين . وصار الحكومي معارضا , والمعارض حكوميا. وتفتقت قريحة الوطن عن افواج جديدة من السماسرة .

ايتها الحبيبة : انا جزء من خراب وطني كبير ..

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى